ليس ضروريًا أن يلجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى القنبلة الأضخم كي يحقق ما يريده من الحرب على إيران. فالتفاهم مع روسيا بشأن النفط يفتح أمامه بابًا آخر، في وقت باتت فيه كلفة الحرب وأسعار الطاقة جزءًا أساسيًا من حساباته. والخيار العسكري لا يزال قائمًا، لكن السؤال هو ما إذا كانت واشنطن تراهن على الحسم بالقوة، أم تبحث عن مخرج ينهي المواجهة من دون أن يظهر ترامب بمظهر المتراجع.
تزداد أهمية هذا السؤال مع اقتراب الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل. فقد أعلن ترامب تأجيل الضربات العسكرية على إيران، فيما تستمر التقارير عن خيارات تشمل استخدام قنابل ضخمة ضد أهداف إيرانية. لكن التأجيل لا يعني إلغاء الضربة، كما أن استمرار التخطيط العسكري لا يعني أن قرار التنفيذ اتُّخذ. المشكلة أن استمرار الحرب لا يضمن لترامب النتيجة التي يريدها. فمنذ بداية المواجهة، تحدث عن قرب انتهائها وعن انخفاض مرتقب في أسعار النفط، لكن اضطراب الملاحة واستمرار الضغوط على أسواق الطاقة يضعان هذه الوعود موضع اختبار. وفي المقابل، لا تظهر مؤشرات حاسمة إلى أن النظام الإيراني بات قريبًا من الانهيار أو أن طهران مستعدة لقبول الشروط الأميركية.
هنا تبرز أهمية التفاهم النفطي مع روسيا. فاللجوء إلى موسكو لتخفيف الضغوط على سوق الطاقة ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل يعكس حاجة واشنطن إلى احتواء آثار الحرب قبل أن تتفاقم كلفتها الداخلية. وبدلًا من انتظار تسوية الأزمة الإيرانية حتى تنخفض أسعار الوقود، يحاول ترامب معالجة جانب من المشكلة عبر النفط الروسي، ولو تطلب ذلك مرونة في ملفات أخرى. لا يعني هذا التحرك أن الإدارة الأميركية تخلت عن الخيار العسكري، لكنه يكشف أن حساباتها تتجاوز المواجهة مع طهران. فارتفاع أسعار الطاقة قد يتحول إلى عبء سياسي مع اقتراب الانتخابات، ولا سيما إذا شعر الأميركيون بأن كلفة الحرب تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية. وكانت الصين حاضرة أيضًا في الحسابات الأميركية باعتبارها فريقًا يمكن الضغط عليه للمساعدة في احتواء الأزمة. أما التفاهم مع روسيا فيقدم مثالًا عمليًا على استخدام العلاقات الدولية لتخفيف الأعباء الاقتصادية للمواجهة.
انتخابيًا، لا يملك ترامب هامشًا مفتوحًا لمواصلة الحرب. فارتفاع أسعار الوقود واستمرار العمليات العسكرية قد يضران بحزبه، لكن وقف الحرب من دون اتفاق واضح قد يعرضه لانتقادات بسبب عدم تحقيق الأهداف التي أعلنها. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي ضربة جديدة إلى توسيع المواجهة وزيادة اضطراب أسواق الطاقة، خصوصًا إذا جاء الرد الإيراني مهددًا للملاحة في الخليج. لهذا ستكون المرحلة التي تلي الانتخابات مهمة في تحديد الخطوة التالية، وإن لم يكن ممكنًا الجزم بأن الضربة ستقع بعدها. فإذا وجد ترامب أن استمرار الحرب يزيد كلفتها السياسية، فقد يصبح أكثر استعدادًا لقبول تسوية تتناول الملاحة والبرنامج النووي الإيراني. أما إذا اعتقد أن الضغط لم يحقق غرضه، فقد يلجأ إلى تصعيد عسكري جديد، ربما لدفع طهران إلى التفاوض بشروط أفضل لواشنطن.
وإيران بدورها لا تستطيع تجاهل الأضرار العسكرية والاقتصادية المتراكمة، لكنها لا تزال تملك أوراق ضغط، أبرزها موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الملاحة. لذلك، لا تتوقف نتيجة المواجهة على حجم الأضرار التي يتكبدها الفريقان فحسب، بل على ما يمكن أن يقدمه كل منهما من تنازلات وما يحصل عليه في المقابل.
قد تكون "أم القنابل" التي يحتاج إليها ترامب اليوم أقل ارتباطًا بحجم السلاح وأكثر ارتباطًا بما يستطيع تحقيقه بالاقتصاد والدبلوماسية. فخفض أسعار الطاقة، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، والوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، قد تمنحه النتيجة السياسية التي يبحث عنها. وإذا أخفقت هذه المسارات، فسيبقى الخيار العسكري مطروحًا. والسؤال هو ما إذا كانت واشنطن ستنجح في انتزاع تسوية من دون ضربة جديدة، أم أن ترامب سيعود إلى القوة قبل أن يجلس إلى طاولة التفاوض.



















































