تحلّ الذكرى السابعة لانتفاضة 17 تشرين الأوّل فيما تبقى الأسئلة التي طرحتها حاضرة، من محاسبة المسؤولين عن الانهيار إلى حماية أموال الناس وبناء دولة تؤمّن حقوقهم. تغيّرت حكومات وتبدّلت موازين سياسية، ووصل ممثلون عن الاعتراض إلى البرلمان، لكن هذا المسار لم ينتج إطارًا مشتركًا قادرًا على تثبيت الاختراق وتوسيع أثره. وبين استمرار أسباب الغضب وصعوبة تنظيمه، تبدو المسافة واسعة بين الاعتراض على طريقة الحكم وبناء قوة تستطيع تغييرها.
تزداد المفارقة وضوحًا بعدما مدّد مجلس النواب ولايته سنتين في 9 آذار 2026، بتأييد 76 نائبًا مقابل 41 وامتناع أربعة، مؤجّلًا الانتخابات التي كانت مقرّرة في أيار. وبذلك، بقي الاختراق الذي حققته قوى التغيير في انتخابات 2022 من دون اختبار نيابي ثانٍ. فلا يصحّ التعامل مع تفكك تكتلها باعتباره دليلًا كافيًا على تراجع التأييد الشعبي لها، كما لا يمكن افتراض أن الأصوات التي حصلت عليها لا تزال مضمونة.
ما يمكن تقييمه هو أداؤها وقدرتها على التنظيم، أما حجم الثقة المتبقية فيحتاج إلى اختبار لم يحصل. ولذلك، تتجاوز المراجعة مسألة تراجع الحشود أو بقاء أسماء رفعت شعار التغيير في الواجهة. فالاحتجاج الواسع لا يستمر بالوتيرة نفسها إلى ما لا نهاية، ولا يُقاس أثره بعدد المشاركين في كل ذكرى. المعيار الأهم هو ما يتركه من قدرة على جمع المصالح المتضررة، وتحويل مطالبها إلى خيارات، وتنظيم العمل من أجلها. ومن هنا يأتي السؤال: لماذا لم يتحوّل الاعتراض إلى قوة سياسية متماسكة، وأيّ جزء من هذا التعثّر فرضته الظروف، وأيّ جزء صنعته خيارات القوى التي تصدّت لتمثيله؟
حدود الاتفاق على البديل
استمدّ 17 تشرين جانبًا من قوته من جمع اعتراضات مختلفة على منظومة حكم واحدة. لكن الاجتماع على رفض الفساد وسوء الخدمات لا يحسم طريقة إدارة الاقتصاد أو توزيع خسائر الانهيار. فقد يلتقي موظف ومودع وصاحب مؤسسة على رفض ما أصابهم، ثم تختلف أولوياتهم عندما يُطرح السؤال عن الضرائب والأجور ومسؤولية المصارف والمال العام. لذلك، كان الانتقال إلى برنامج يتطلب خيارات لها كلفة، تتجاوز جمع المطالب المحقّة في خطاب واحد.
وينطبق الأمر نفسه على القضايا السياسية. فالاتفاق على رفض المحاصصة لا ينتج تلقائيًا موقفًا موحدًا من سلاح "حزب الله"، أو ترتيب الأولويات بين السيادة والإصلاح الاقتصادي، أو التعاون مع أحزاب شاركت في الحكم. تستطيع ساحة احتجاج استيعاب هذه الخلافات ما دام المشاركون يجتمعون على المحاسبة. أما انتخاب رئيس أو تسمية رئيس حكومة فيفرضان قرارًا محددًا، ويكشفان ما أخفته عمومية الشعارات من تباينات سياسية.
هنا تظهر حدود التعامل مع غياب القيادة بوصفه ضمانة دائمة. فقد ساعد تعدّد المجموعات وغياب القيادة المركزية على توسيع المشاركة وصعّبا احتكار الانتفاضة، لكن استمرار العمل احتاج إلى قواعد للتمثيل واتخاذ القرار. ولم يكن المطلوب جمع الجميع في حزب واحد بقدر ما كان تنظيم الاختلاف، حتى لا يصبح كل استحقاق مناسبة لإعادة التفاوض. فالخوف من مصادرة القرار لا يُعالج بتركه بلا قواعد، بما يتيح لأصحاب الموارد والحضور الإعلامي نفوذًا لا يخضع لمساءلة واضحة.
من الساحات إلى المؤسسات
أفرزت انتخابات 2022 في بدايتها فوز 13 نائبًا صُنّفوا ضمن قوى التغيير. وكان ذلك اختراقًا أثبت إمكان منافسة قوى راسخة، وأتاح حضورًا في التشريع والرقابة. لكنه لم يمنح هؤلاء أكثرية، ولم يجعلهم ممثلين حصريين لكل المشاركين في الانتفاضة. كما أن اجتماع نواب من تجارب ودوائر مختلفة تحت تسمية واحدة لم يكن كافيًا لإنتاج فريق يمتلك برنامجًا وأدوات عمل مشتركة.
ظهر الفارق مبكرًا: ففي تشرين الأول 2022، خرج ميشال الدويهي ثم وضاح الصادق من تكتل نواب التغيير، وسط تباينات على الاستحقاق الرئاسي وآلية اتخاذ القرار. وكشف الخلاف صعوبة تحديد متى يلتزم النائب قرار المجموعة ومتى يحتفظ باستقلاله. وهذه ثغرة مضاعفة لدى أقلية تحتاج إلى تنسيق الملفات وتجميع الخبرات لتعويض ضعف عددها، إذ يمكن أن ينجح نواب في مبادرات فردية، فيما تبقى قدرتهم الجماعية على التأثير محدودة.
مع ذلك، لم ينتهِ التأثير بتفكك التكتل. فقد ساهم نواب تغييريّون في تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة في كانون الثاني 2025، ضمن تقاطع أوسع شمل قوى تقليدية أيضًا. وتدلّ التجربة على إمكان التأثير عبر التقاء المصالح والمواقف، لكنها لا تثبت أن قوى التغيير أصبحت قادرة على فرض خيارها بمفردها. الدرس هنا أن التحالف جزء من العمل المؤسسي، وأن قيمته تُقاس بما يحققه وبقدرة المشاركين فيه على الاحتفاظ باستقلالهم ومحاسبة من دعموه.
الانهيار والحرب وكلفة المشاركة
لم تُتح لهذه التجربة ظروف مستقرة لبناء تنظيمها. فقد واجه المحتجون القمع وحملات التشهير والاستقطاب الطائفي، بالتوازي مع انهيار اقتصادي، ثم جائحة كورونا وانفجار المرفأ، وصولًا إلى الحرب وموجات النزوح. وقد وثّق البنك الدولي في تقييمه للفقر المنشور عام 2024 اضطرار أسر إلى خفض الإنفاق على الغذاء والصحة. وفي هذه الظروف، يصبح الوقت والمال اللازمان للنشاط العام أكثر ندرة، فتضعف قدرة الناس على المشاركة حتى عندما تزداد أسباب غضبهم.
كما أن تراجع الخدمات العامة يمنح الجهات التي تملك المال وشبكات المساعدة أفضلية سياسية. فعندما تصبح الحاجة إلى الاستشفاء أو التعليم أو الإغاثة ملحّة، تزداد أهمية الوسيط القادر على تأمينها. ولا يعني قبول مساعدته أن المستفيد اقتنع بأدائه أو تراجع عن حقه في مساءلته. قد يعني ببساطة أنه لا يملك بديلًا عمليًا. من هنا، يمكن لقوى تراجعت الثقة بها أن تحتفظ بنفوذها، لأن الاعتماد عليها في الحياة اليومية لا يزول بالسرعة التي تتراجع بها صدقيتها.
وجاءت الحرب لتضاعف صعوبات المشاركة، بعدما كانت مشكلات التنظيم وتفكك التكتل قد ظهرت بالفعل. وقد أضافت الخوف على الأمن والسكن والمستقبل، وما يرافقه من قابلية أعلى للانكفاء إلى الجماعة التي تعد بالحماية. ويصبح النقد أكثر عرضة لأن يُقرأ من زاوية الاصطفاف الطائفي أو الموقف من الحرب، فتضيق مساحة النقاش المشترك في المسؤولية والحقوق. لذلك، لا يجوز تفسير تراجع الحضور في الساحات باعتباره رضى عن السلطة، ولا افتراض أن شعارات 2019 تكفي لاستعادة مشاركة تغيّرت شروطها.
مسؤولية القوى التي رفعت شعار التغيير
بعد احتساب هذا كله، يبقى السؤال عمّا كان في متناول القوى التغييرية فعلًا. فهي لا تتحمّل مسؤولية الانهيار كالأحزاب التي حكمت، ولا تُحاسَب كما لو كانت تملك أكثرية نيابية أو قدرة على منع الحرب. لكن الظروف لا تفسّر وحدها غياب آلية مستقرة للتعاون، أو التباين في معايير التحالف، أو صعوبة تقديم حصيلة مشتركة للناخبين. هذه مسائل تتعلق بالخيارات والتنظيم، ويصحّ إخضاعها للمساءلة من دون مساواة أصحابها بمن تولّى السلطة لعقود.
أحد أوجه التعثّر أن صفة "تغييري" حمّلت أصحابها توقعات واسعة من دون أن تُترجم إلى تعاقد سياسي واضح. فقد ينتظر الناخب قطيعة شاملة مع المنظومة، بينما يرى النائب الذي يمثّله أن التأثير يقتضي التعاون مع بعض مكوّناتها. وحين تبقى معايير هذا التعاون غامضة، تبدو التسوية تراجعًا عن الوعود، ويبدو رفضها عجزًا عن ممارسة السياسة. المشكلة هنا في غياب التزامات معلنة تشرح ما يبرّر التحالف وما يوجب إنهاءه.
وينطبق ذلك على المحاسبة أيضًا. فالأقلية لا تضمن إقرار اقتراحاتها، لكنها تستطيع متابعة الملف بعد الإعلان عنه، وتحديد الجهة التي عطّلته، وشرح أثر التعطيل على المتضررين، وربط جهدها النيابي بعملهم. وفي هذه الحال، يصبح تعذّر الإنجاز واقعة سياسية قابلة للفهم والمواجهة. أما حين تنتهي المبادرة عند التصريح، فيصعب على الجمهور التمييز بين عجز فرضته موازين القوى وقصور في المتابعة. وعلى هذا الأساس، يمكن تقييم أداء كل نائب، والتمييز بين ما عطّلته موازين القوى وما تعثّر بسبب قصور المتابعة.
ماذا يعني بناء بديل اليوم؟
لم يعد كافيًا تقديم البديل بوصفه مجموعة أشخاص أنزه أو أقل ارتباطًا بالأحزاب التقليدية. فالنزاهة شرط أساسي، لكنها لا تجيب عن الخلاف على السياسات. يحتاج المتضررون من الانهيار إلى معرفة من يتحمّل الخسائر، وكيف تُموّل الخدمات، وما الذي يحمي الدخل والعمل. ويحتاج المطالبون بسيادة الدولة إلى تصور يربط حصرية قرارها بقدرتها على حماية المواطنين وتطبيق القانون عليهم جميعًا. هذه الأسئلة تحدّد المصالح التي سيمثّلها البديل، وتمنحه مضمونًا يتجاوز الاعتراض على أسماء الحاكمين.
ويحتاج البرنامج إلى علاقة بالناس تسمح بتطويره واختباره. فالعمل في النقابات والبلديات والأحياء والجامعات يتيح تنظيم أصحاب المصالح حول مطالب مستمرة، ويُنتج كوادر لا يرتبط حضورها بمقعد نيابي أو موسم احتجاج. كما يغيّر موقع المؤيد من متابع ينتظر تصريحًا إلى مشارك يستطيع التأثير والمحاسبة. وهذه العلاقة أكثر قدرة على الاستمرار في فترات انحسار التعبئة، لأنها تجعل المشاركة مرتبطة بمصلحة واضحة ومساحة عمل محددة.
وتفرض تجربة دعم سلام سؤالًا إضافيًا على من قدّموا هذا الخيار بوصفه فرصة للإصلاح: كيف يدعمون خطوة يرونها صحيحة، ويحتفظون في الوقت نفسه باستقلالهم عن صاحبها؟ فالانتقال من معارضة حكومة إلى تأييد أخرى لا يُنهي الحاجة إلى برنامج ورقابة. وعلى العكس، يصبح المعيار أكثر دقة: هل يتحقق الالتزام الذي بُني عليه الدعم، وما الموقف إذا تأخّر أو تغيّر؟
بعد سبع سنوات، تعثّر تحويل الاعتراض إلى قوة متماسكة لأن الضغط الذي استنزف المشاركين لم يلقَ تنظيمًا قادرًا على حفظ مشاركتهم وإدارة خلافاتهم. أثبتت انتخابات 2022 أن الاختراق ممكن، لكن تثبيته احتاج إلى برنامج وعمل مشترك يتجاوزان الوصول إلى المقعد. لذلك، لا تكمن المشكلة في نفاد أسباب الاعتراض، بل في غياب الصيغة التي تجعل هذا الاعتراض قدرة جماعية مستمرة، تستطيع التأثير في السلطة ومحاسبتها، بما في ذلك حين يصل إليها من أيّدته.




















































