أشار متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران ​الياس عودة​، إلى أنّ "قيمة الإنسان لا تكمن في عدد الّذين أُعجبوا به، ولا في عدد الّذين سمعوا كلامه، ولا في المكانة الّتي وصل إليها أو الثّروة الّتي جمعها، بل في أن يكون اسمه مكتوبًا في السّماء"، مبيّنًا أنّ "هذا يقودنا إلى كلمات الرّسول بولس: "أسلكوا بحكمة من جهة الّذين في الخارج، مفتدين الوقت".

ولفت، خلال ترؤّسه خدمة القدّاس في كاتدرائيّة القديس جاورجيوس في وسط بيروت، إلى أنّ "المسيحي المؤمن لا يهرب من العالم، ولا يحتقر النّاس الّذين يعيشون حوله، بل يعيش بينهم بحكمة. في زمننا هذا، حيث أصبحت الكلمة أو الصورة تنتشر بلحظة عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، صارت هذه الوصيّة أكثر إلحاحًا".

وأوضح المطران عودة أنّ "كلمةً واحدةً قد تجرح كرامة إنسان أو تشوّه صورته، وتعليقًا واحدًا قد يهدم علاقةً أو يدمّر بيتًا، ومنشورًا واحدًا قد يزرع خصومةً أو يولّد نزاعًا. لذلك يقول الرّسول بولس: "ليكن كلامكم كلّ حين ذا لطف، مصلحا بملح".

وفسّر أنّ "المقصود ليس أن نتكلّم دائمًا بكلمات دينيّة ولاهوتيّة وعقائديّة، بل أن تكون كلماتنا مسكونة بالنّعمة"، مركّزًا على أنّ "الإنسان المسيحي لا يُعرف فقط بما يقوله أو يفعله داخل الكنيسة، بل بما يقوم به في بيته وعمله وعلى هاتفه وفي لحظة غضبه، وعند كلّ تجربة. قد تكون أعظم عظاتنا أحيانًا أن نصمت عندما يكون الكلام جارحًا، وأن نغفر عندما يكون الانتقام سهلًا، وأن نقول الحق من دون قسوة، ونرفض الكذب من دون أن نحتقر الكاذب".

كما أكّد أنّ "الإنجيل لا يحتاج إلى أصواتنا فقط، بل إلى قلبنا، إلى أعمالنا. وإذا كان كلامنا على المحبّة لا يرافقه غفران، وإذا كان حديثنا عن المسيح لا يرافقه تواضع ومحبّة، لن يسمع النّاس الإنجيل الّذي ننطق به، لأنّ حياتنا تناقض أقوالنا".

وأضاف عودة: "إنسان اليوم يملك آلاف العلاقات الافتراضيّة، لكنّه قد يفتقد شخصًا واحدًا يصغي إليه. هو إنسان يملك وسائل اتصال لا حصر لها، لكنّه قد يعجز عن التواصل مع أقرب النّاس إليه، يطلب المال والشّهرة والنجاح والظهور، بينما يقول له المسيح: "إفرحوا بأنّ أسماءكم كتبت في السّماوات".

وذكر أنّ "إنسان اليوم اعتاد عيش الأزمات والحروب، كما اعتاد الحديث عن الأسلحة المدمّرة والصواريخ البالستيّة والتجارب النّوويّة والأساطيل الّتي تجوب البحار، وعن أعداد الضحايا والمفقودين والمأسورين والمنفيّين والمهجّرين، دون أن يأتي بأية ردّة فعل أحيانًا، وكأنّ الحديث عن أرقام لا أشخاص، بشر خلقهم الله على صورته ومثاله، ومنحهم الكرامة الّتي يفتخر بها كلّ إنسان، ودون أن يتساءل عن الأموال الطائلة الّتي تهدر على الأسلحة عوض إنفاقها على ما يرفع مستوى الحياة البشريّة، ويطعم الجياع، وينشر العلم، ويحارب الأمراض".

إلى ذلك، شدّد على أنّ "المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل وكلّ الأعمال الوحشيّة الّتي يشهدها بلدنا ومنطقتنا، كما يرفض احتقار الإنسان واستغلاله لغايات غير محمودة"، داعيًا إلى أن "نجعل من حياتنا شهادةً هادئةً للمسيح، ولنفتد الوقت لأنّه عطيّة لا تتكرّر ولا تعوَّض. لنحفظ ألسنتنا، لأنّ الكلمة قد تكون دواءً أو جرحًا، ولنخدم دون أن نطلب المجد لأنفسنا، ولا نفرحن لأنّ النّاس يعرفون أسماءنا، بل لأنّ المسيح يعرفنا بأسمائنا".