أكدت مصادر سياسية بارزة لـ"النشرة" أن مخاوف جدية تسود الأوساط الجنوبية، ولا سيما الشعبية، من احتمال استئناف ​إسرائيل​ حربها قبل ​الانتخابات الإسرائيلية​ المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، بالتزامن مع اقتراب انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في ​لبنان​ "​اليونيفيل​" نهاية العام، وسط غموض ما زال يحيط بالترتيبات الأمنية اللاحقة، ومخاوف من فراغ أمني في الجنوب.

وأشارت المصادر إلى أن المخاوف تزداد مع المشهد الإقليمي المعقد وتصاعد التوتر في المنطقة برمتها، بدءًا من اليمن، مرورًا باستهداف ​المملكة العربية السعودية​، وصولًا إلى المواجهة المفتوحة بين ​الولايات المتحدة الأميركية​ و​إيران​، وما يرافقها من رسائل وتهديدات بضربات جديدة قد تكون أشد قوة.

وأوضحت المصادر أن هذه المخاوف دفعت بعض العائلات الجنوبية التي عادت إلى قراها القريبة من "الخط الأصفر" إلى الانتقال للعيش في منازل أخرى تملكها أو لدى ذويها، أو إلى استئجار شقق ومنازل في ​صيدا​ و​إقليم الخروب​ والشوف و​الجبل​ وبيروت، تحسبًا لاندلاع الحرب فجأة، في ظل التهديدات الإسرائيلية، وآخرها تهديد وزير الحرب باحتلال مناطق جديدة في الجنوب، بما فيها ​النبطية​.

المشهد وأسئلة

وفي قراءة للمشهد، يربط الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن الدكتور ​بهاء حلال​، في حديث خاص لـ"النشرة"، احتمالات التصعيد بثلاثة أسئلة أساسية:

1-هل لدى إسرائيل مصلحة عسكرية وسياسية في توسيع المواجهة قبل الانتخابات الأميركية والإسرائيلية أم بعدها؟

2-هل يمكن أن تتغير الحسابات الأميركية بما يسمح بتصعيد أكبر، أم أنها قد تدفع نحو احتواء التصعيد؟

3-هل الجنوب اللبناني مقبل على حرب واسعة، أم على مرحلة طويلة من الضربات المحدودة والضغط العسكري والأمني؟

ويشدد حلال على ضرورة التمييز بين المؤشرات العسكرية الفعلية والرسائل السياسية والحرب النفسية، لافتًا إلى أن تصاعد التهديدات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بالحرب الشاملة. فالضربات الإسرائيلية والتحركات العسكرية في المناطق التي تحتلها إسرائيل جنوبًا مستمرة، رغم الإطار التفاوضي المعلن في 13 تشرين الأول الماضي، فيما لا تزال القضايا الأساسية المتعلقة بالترتيبات الأمنية والانسحاب غير محسومة.

ويضيف أن مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" يمثل عامل قلق إضافيًا، في ظل عدم حسم مصير القوة بعد انتهاء مهمتها أواخر عام 2026، وعدم وضوح آليات ضبط الأمن ومراقبة التفاهمات في المرحلة المقبلة. وحتى الآن، لم يُتخذ قرار نهائي بشأن مستقبلها.

أربعة سيناريوهات

ويرسم حلال أربعة مسارات محتملة للمواجهة. الأول، استمرار الاستنزاف والضربات المحدودة بالتوازي مع الاتصالات السياسية، بهدف تحسين شروط التفاوض من دون تحمّل كلفة حرب مفتوحة. والثاني، تصعيد عسكري محدود قبل الانتخابات الإسرائيلية، قد يتجلى في تكثيف الغارات وتوسيع نطاق الاستهداف لإظهار القدرة على فرض معادلة أمنية جديدة.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في العودة إلى الحرب الواسعة، وهو مسار قد تفرضه تطورات نوعية، كوقوع هجوم كبير، أو انهيار التفاهمات، أو اتساع المواجهة الإقليمية وانعكاسها مباشرة على لبنان. وقد يؤدي ذلك إلى توسيع العمليات الجوية والبرية وارتفاع مخاطر النزوح.

ويتمثل السيناريو الرابع في التوصل إلى تفاهم أمني مرحلي وهش، برعاية وضغط أميركيين، يشمل ضبط الهجمات، وتوسيع دور الجيش اللبناني، وإقرار آلية للمراقبة، والتفاوض على الانسحاب والترتيبات الأمنية. لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق استقرار دائم، إذ قد تستمر الانتهاكات من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ما الذي يحسم اتجاه المواجهة؟

ويعتبر حلال أن الانتخابات تشكل عامل توقيت وضغط سياسي أكثر من كونها سببًا عسكريًا مباشرًا للحرب، مشيرًا إلى أربعة عوامل أكثر تأثيرًا: وقوع حادث أمني كبير وسقوط أعداد مرتفعة من القتلى، وانهيار المفاوضات والتفاهمات، واتساع المواجهة الأميركية أو الإسرائيلية مع إيران، وغياب آلية أمنية فعالة في الجنوب، خصوصًا مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل".

وفي تقديره، يبقى السيناريو الأرجح استمرار الضغط العسكري بالتوازي مع محاولات الاحتواء، من دون استبعاد التصعيد إذا تبدلت الحسابات الإسرائيلية والأميركية أو فرضت التطورات الميدانية والإقليمية مسارًا جديدًا. وبذلك، يظل الجنوب أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، فيما تبقى الترتيبات الأمنية ومستقبل الوجود الدولي من أبرز عوامل القلق.