لبنانُ نازِلٌ مِن فَوقَ. موقِنٌ هوَ ذاتُهُ، وَمَعصومٌ. عِصمَتُهُ مِنَ الأُلوهَةِ، وَمُلفِتٌ أنَّهُ مُذ كانَ، ما جَحَدَ يَوماً، بَل وَلا هُنَيهَةً، رُبوبِيَّةَ الأُلوهَةِ. وَما كانَ مُسائِلاً لَها، لِأنَّ المُساءَلَةَ نُكرانٌ لِلعِصمَةِ. لَكِن، لا بِالإكراهِ هوَ مُسلِمٌ لِلأُلوهَةِ، بَل مِن مَنطِقِهِ قِناعَتُهُ أنَّ الأُلوهَةَ رِفعَتُهُ، وَفي رِفعَتِهِ حُضورٌ في كُلِّ الأزمِنَةِ لِأنَّهُ كَما الأُلوهَةُ الَتي هوَ مِنها... كُلُّ الأزمِنَةِ.
هُوَذا لبنانُ يَحيا في سِرِّهِ المَحفورِ فيهِ، المُنغَرِسِ مُنذُ الخَلقِ خَلقاً، وَلِلخَلقِ خَلقاً. تَدبيراً يُخَلِّصُ. نِضالاً في واقِعِيَّةِ القَناعَةِ وَتَمَرُّسِ التَواريخِ.
ألا، قِفْ وَأنظُرْ: حَرَمونَهُ: "حَرَمَ أونَ" أيّ حَرَمُ السَيِّدِ أوِ الإلَهِ، المَقامُ الَذي مِنهُ وَلَهُ. "جَبَلُ اللهِ المُقَدَّسِ" (حزقيال 28/14)، "بُرجُ لبنانَ الناظِرُ نَحوَ دِمَشقَ" (نَشيدُ الأنشادِ 7/4). ألَيسَ مِنهُ تَتَفَجَّرُ يَنابيعُ كَثرَةٍ، مَصدَرَ خَيرٍ وَبَرَكَةٍ لِلَذين سَكَنوا بِجِوارِهِ فَخَصّوهُ بِالإلَهِ "بَعلَ حَرَمونَ"، "راكِبِ السُحُبِ"، "الساكِنِ في السَماءِ"، عَلى ما وَرَدَ في مَلاحِمَ "إيلَ وَعَناةَ"؟
لَكِنَّ الكِفايَةَ لَيسَت بِهَذا فَحَسبَ. ها "شيتُ"، الإبنُ الثالِثُ لِآدَمَ وَحَوّاءَ، سَكَنَ وَأبناؤهُ حَرَمونَ-لبنانَ، تَشَوُّقاً الى الحَياةِ المَغبوطَةِ الَتي كانَت لِأبَوَيهِ في الفِردَوسِ، مُعتَكِفاً لِلعِبادَةِ وَلِلحَياةِ النُسكِيَّةِ في تَوبَةٍ تُعلي رَجعَةً الخَليقَةَ الى خالِقِها، عَلى ما يَذكُرُ إبنُ العِبريُّ في "تاريخِ مُختَصَرِ الدُوَلِ". ها هُناكَ، عِندَ السَفحِ الغَربيِّ لِحَرَمونَ-لبنانَ، مَقامُ "النَبي شيتُ" وَبقايا مَعبَدِهِ المُنغَرِسِ في أعماقِ التَواريخِ.
وَلا كِفايَةَ بَل وَبَعدُ. ها البَطرِيَركُ ميخائيلُ السرُيانِيٌّ الأورثوذُكسيُّ الكَبيرُ، المُؤَرِّخُ (المَولودُ في مَلاطِيَةَ 1126، والمُتَوَفي في دَيرِ مار بَرصومَ 1199)، يَذكُرُ إستِناداً الى المَروِيَّاتِ القَديمَةِ "إنَّ أبناءَ شيتَ كانوا مُستَقيمينَ، إنقَطَعوا بِتَبَتُّلٍ عَلى جَبَلِ حَرَمونَ، وَلِهَذا سُمّوا أبناءَ اللهِ." وَيورِدُ اليَعقوبِيُّ في تاريخِهِ أنَّ شيتَ حينَ وَفاتِهِ، بارَكَ أبناءَهُ وَأوصاهُم ألَّا يَهبِطَ أحَدٌ مِن هَذا الجَبَلِ المُقَدَّسِ، وَألَّا يَختَلِطوا بِأولادِ "قابيلَ" (قايِّينَ قاتِلُ أخاهُ هابيلَ). لَكِنَّهُم خالَفوا وَصِيَّةَ والِدِهِمِ، فَنِزِلوا عَن حَرَمونَ، وَتَجامَعوا مَعَ بَناتِ البَشَرِ مِن نَسلِ قايِّينَ، وَتَدَنَّسوا وأنجَبوا جَبابِرَةً (مِنهُمُ "نَمرودُ")، وَجَعلوا الدَمَّ والدَمارَ عَلى الأرضِ كُلِّها، فَإجتَذَبوا دَينونَةَ اللهِ في الطوفانِ. وَتأكيداً عَلى مَنزِلَةِ "شيتَ" في لبنانَ-حَرَمونَ، يَذكُرُ إبنُ عَساكِرَ حَديثاً شَريفاً لِلنَبيِّ مَعَ أبي ذي الغَفاريَ حَولَ الكُتُبِ المُنزَلَةِ، أنَّها "مِئَةٌ وَأربَعَةُ كُتُبٍ، أنزَلَ اللهُ عَلى شيتَ خَمسينَ صَحيفَةً، وَعَلى إبراهيمَ عَشرَ صَحائِفَ، وَعَلى موسى قَبلَ التَوراةِ عَشرَ، وَأنزَلَ التَوراةَ والإنجيلَ والزَبورَ والفُرقانَ."
كَيانُ تَراصٍّ
هُوَذا سِرُّ سِرِّهِ، لبنانُ. مِنَ اليَقينِ هوَ، وَفيهِ، وَإلَيهِ. حَقيقَةُ الحَقيقَةِ. يَسعى أمامَها وَهيَ قَضِيَّتُهُ. أأقولُ: مِنهُ تَنبَعُ؟ إذا كانَ هوَ تَمهيدَها ألا تَنبَعُ مِنهُ؟ كَيفَ لا؟ أجَل. مِنهُ تَرَقّيها وَإرتِقاؤها، مُبدِعَةً، عادِلَةً، مُحِبَّةً. حَيَّةً.
هُوَذا كَيانُ تَراصٍّ، لبنانُ. نُموُّهُ في التَقابُلِ والتَحابِّ والإيمانِ. مِنَ الوجودِ الى الجَوهَرِ، والجَوهَرُ إنوِجادُ المَوجودِ.
شيتُ النَبيُّ، ألْمِن لبنانَ، مَسيرَةُ سيادَةٍ في مَناقِبِيَّةِ المَخلوقِ تِجاهَ خالِقِهِ، مِنَ العِصمَةِ الى المَعصومِ بِهِ. تَجَوهُرٌّ في جَوهَرِ "النَعَمِ"، أُعجوبَةِ الدُهورِ. وَلبنانُ-شيتُ، النَبيُّ، مُتَأصٍّلٌ في مَقدِرَةِ كُلِّ شَيءٍ مِنَ الأُلوهَةِ، وَبِها، وَلَها... وَقاضَيَ الوجودِ إذ يَتَجَوهَرُ نَعَماً لا تَمَرُّداً.
أبِذَلِكَ لبنانُ واقِفٌ بِوَجهِ جَبرِيَّاتِ الأدهارِ في تَصارُعاتِ التَواريخِ؟ هوَ الحَيُّ أبَداً، حَرَمُ الإصرارِ عَلى الثَباتِ بِأُعجوبَةِ إنبِعاثٍ هائِلٍ.























































