لم يعد الجنوب ال​لبنان​ي في خطاب العدو الإسرائيلي مجرد جبهة عسكرية على الحدود الشمالية، أو مساحة يُقاس فيها مستوى الخطر الذي يمثله ​حزب الله​. ومع اقتراب ​الانتخابات الإسرائيلية​ المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، بات الجنوب حاضرًا في الحسابات السياسية الداخلية، بوصفه ساحة لعرض نتائج السياسة الأمنية للحكومة، واختبار قدرتها على إقناع الناخب بأنها استعادت الردع بعد 7 تشرين الأول.

ولعل أبرز مؤشرات هذا التداخل قرار رئيس لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، القاضي نُعام سولبرغ، إزالة مواد دعائية من حسابات ​بنيامين نتنياهو​، بينها مقطع يوثّق زيارته موقعًا للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. فقد اعتبر أن المقطع، بصيغته المنشورة، وظّف مشاهد عسكرية وموارد عامة لإبراز إنجازات رئيس الحكومة. وبذلك، تحوّل الوجود العسكري في الجنوب من مشهد لتوثيق الانتشار إلى مادة انتخابية تُقدَّم من خلالها صورة القيادة القادرة على مواجهة الخطر خارج الحدود.

وفي السياق نفسه، جاءت زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي ​يسرائيل كاتس​ إلى جنوب لبنان في 14 تشرين الأول، لتضيف بعدًا تصعيديًا إلى المشهد. فقد هدد بتوسيع العمليات والاستيلاء على أراضٍ لبنانية إضافية، ولا سيما في ​النبطية​ ومحيط الليطاني، إذا انضم حزب الله إلى أي هجوم ​إيران​ي على إسرائيل، معلنًا أن هذه المناطق قد تصبح جزءًا من منطقة أمنية إسرائيلية دائمة. كما لوّح بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وضرب البنية التحتية للحزب، متحدثًا عن تهجير أكثر من مليون لبناني. وهكذا، انتقل الخطاب من عرض الانتشار العسكري بوصفه إنجازًا إلى التلويح بتوسيع الاحتلال وتغيير الواقع الميداني والجغرافي في لبنان.

وتكشف المقارنة بين الزيارتين اختلاف وظيفتيهما في المشهد نفسه: فنتنياهو يوظف صورة الوجود العسكري لإبراز أداء حكومته أمام الناخب، فيما يرفع كاتس سقف التهديدات لتأكيد استعدادها لتوسيع السيطرة بالقوة. ولا يعني ذلك أن الزيارتين نُظمتا لأغراض انتخابية حصرًا، لكن المقارنة بينهما تبرز تداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية في إدارة الجبهة اللبنانية.

وكان نتنياهو قد وضع، في افتتاح حملته الانتخابية في أيلول، لبنان إلى جانب إيران و​غزة​ و​سوريا​ ضمن ساحات العمليات التي قال إن حكومته غيّرت فيها الواقع، رابطًا بقاء القوات الإسرائيلية خارج الحدود بفكرة أن إسرائيل "تأخذ الأرض بدلًا من أن تعطيها". ويكتسب هذا الخطاب دلالة إضافية مع تهديدات كاتس، التي تربط احتمال توسيع الاحتلال في جنوب لبنان بانخراط حزب الله في أي مواجهة مع إيران، بما يضع الأراضي اللبنانية ضمن حسابات الردع الإقليمي. ومع ذلك، لا يعني التلويح بهذه الخيارات أن قرارًا نهائيًا بتوسيع الحرب قد اتُّخذ؛ إذ قد تؤدي التهديدات وظيفة ردعية، وتتيح للحكومة في الوقت نفسه إظهار الحزم أمام الناخب.

وتظهر حسابات المواجهة الإقليمية أيضًا في موقف نتنياهو من إيران، إذ أعلن أنه لا يسعى إلى شن هجوم استباقي عليها قبل الانتخابات، محذرًا في الوقت نفسه من هجمات إيرانية أو من هجمات ينفذها حلفاؤها، وفي مقدمتهم حزب الله. ويعكس هذا الموقف ارتباط حسابات الجبهة اللبنانية بمآلات المواجهة مع طهران، من دون أن يعني بالضرورة حسم اتجاه التصعيد.

ولا ينحصر البعد الانتخابي في استعراض القوة، بل يمتد إلى خيارات التفاوض. فقد أُرجئت جولة من المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة بين لبنان والعدو الإسرائيلي إلى تشرين الأول، وسط مؤشرات إلى تباطؤ المسار السياسي مع اقتراب انتخابات الكنيست. ويضع ذلك الحكومة أمام مفارقة: فالتمسك بالانتشار العسكري يمكن تقديمه بوصفه ضمانة أمنية، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا طال أمده وارتفعت كلفته أو تحولت الجبهة إلى حرب استنزاف. وقد برز لبنان في السجال بين نتنياهو وخصومه، ولا سيما ​غادي آيزنكوت​، في سياق الخلاف على إدارة الحرب والمسؤولية عن إخفاقات 7 تشرين الأول. وفي المقابل، جمع نتنياهو بين التعهد بمواصلة الضغط على حزب الله والحديث عن فرصة للسلام مع لبنان، كاشفًا التوتر بين مواصلة الضغط العسكري والسعي إلى تسوية سياسية.

غير أن إطالة أمد الوجود العسكري تضع الحكومة أمام كلفة اقتصادية وبشرية متزايدة، وضغوط من سكان مستوطنات الشمال الذين يواجهون تداعيات التهجير وتعطل الحياة اليومية. وفي المقابل، تصطدم هذه الحسابات بمعادلات ميدانية تفرضها المقاومة، وبموقف لبناني يرفض الخضوع لشروط الاحتلال. وبذلك، قد يتحول الجنوب من ورقة تُعرض بوصفها إنجازًا انتخابيًا إلى عبء سياسي وأمني، في ظل مخاطر الاستنزاف وتراجع قدرة الحكومة على تحويل الانتشار العسكري إلى مكسب داخلي.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز يوم الاقتراع: هل يُستخدم استمرار الضغط العسكري لفرض شروط تسوية مستقرة، أم يتحول إلى مبرر لإطالة الاحتلال وتوسيع نطاقه؟ فالانتخابات قد تنتهي في 27 تشرين الأول، لكن القرارات المتعلقة بالانتشار والانسحاب والترتيبات الحدودية ستحدد ما إذا كانت التهديدات ستظل ضمن الخطاب السياسي أم ستتحول إلى وقائع ميدانية جديدة.

وفي ظل القيود المفروضة على وصول الصحافيين إلى مناطق من جنوب لبنان الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، تبقى ضرورة التمييز قائمة بين الوقائع الميدانية المؤكدة والتصريحات التي تندرج في إطار التهديد أو التهيئة السياسية؛ فالتصعيد في الخطاب لا يكفي وحده لإثبات اتخاذ قرار بالتوسع.

في المحصلة، لا يدخل الجنوب اللبناني صندوق الاقتراع الإسرائيلي باعتباره ناخبًا، بل بوصفه ساحة تُعرض فيها نتائج السياسة الأمنية وتُختبر فيها قدرة القوة العسكرية على إنتاج تسوية سياسية. وما يُقدَّم للناخب بوصفه إنجازًا قد يتحول بعد الانتخابات إلى قرار بتثبيت الاحتلال أو توسيعه، أو إلى مسار تفاوضي يحدد مستقبل الانتشار والحدود الشمالية.

فالجنوب خارج صندوق الاقتراع جغرافيًا، لكنه حاضر داخله سياسيًا؛ لأن ما يُحسم لدى العدو الإسرائيلي بشأن القوة والردع والتفاوض لن يبقى شأنًا داخليًا، بل ستنعكس آثاره مباشرة على الأرض اللبنانية وسكانها، وعلى طبيعة المرحلة المقبلة على الحدود.