عرض رئيس الحكومة الإسرائيلية ​بنيامين نتنياهو​ خريطة للمنطقة تُظهر ​إيران​ وحلفاءها في موقع الخصم، وهذا ليس جديدًا في التفكير الإسرائيلي. فاللافت فيها إظهار محور إقليمي آخر يضم ​السعودية​ و​تركيا​ و​مصر​ و​باكستان​، إلى جانب المحور الإيراني، مقابل تحالف تقوده إسرائيل وتشارك فيه الإمارات.

خريطة تفتح النقاش حول مستقبل المنطقة، وحول ما إذا كانت إسرائيل تستعد لمواجهة قوتين إقليميتين، أم أنها قد تجد في التنافس بينهما فرصة لتعزيز موقعها.

لا بدّ من القول إن الخريطة ليست من إعداد إسرائيلي، بل نشرتها ​مؤسسة فريدريش إيبرت​ الألمانية في أيار الماضي، وهي مؤسسة سياسية قريبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، ضمن دراسة للتحالفات الناشئة في ​الشرق الأوسط​. وقد انطلقت من فكرة أن المنطقة تتجه نحو ثلاثة تجمعات تتنافس على النفوذ، وأن التقارب بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان لا يرتبط بمواجهة إيران وحدها، بل يتصل أيضًا بالرغبة في الحد من اتساع النفوذ الإسرائيلي والإماراتي.

من هنا، فإن اختيار نتنياهو عرض هذه الخريطة ضمن رؤيته للأمن القومي كان لافتًا. فهو يقدّم للإسرائيليين صورة عن منطقة لا تنتهي تهديداتها بإضعاف إيران، بل قد تشهد صعود قوى أخرى لا تتفق بالضرورة مع المشروع الإسرائيلي. وهذا يسمح له بتوسيع الحديث عن الأخطار التي تواجه إسرائيل، وتبرير الحاجة إلى استمرار تفوقها العسكري، والحفاظ على حرية تحركها في أكثر من ساحة.

لكن الخريطة تحمل احتمالًا آخر مهمًا. فإذا كانت إسرائيل تواجه محورين لكل منهما أسباب تدفعه إلى موازنة قوته، فإن انشغال هذين المحورين بمواجهة بعضهما قد يخفف عنها عبء التعامل معهما معًا. وفي هذه الحالة، لا تحتاج إسرائيل إلى الانتصار على الفريقين بقدر ما تستفيد من استنزافهما المتبادل، ومن انتقال اهتمام الدول الإقليمية من الحد من النفوذ الإسرائيلي إلى مواجهة الأخطار الآتية من بعضها.

هنا تبرز الساحة ​اليمن​ية، حيث يمكن لعودة واسعة للمواجهة بين السعودية وأنصار الله أن تعيد تقديم الصراع مع القوى المرتبطة بإيران بوصفه أولوية أمنية للرياض. فالسعودية التي تسعى إلى حماية أمنها وحدودها ومصالحها الاقتصادية أصبحت مضطرة إلى توجيه جزء كبير من اهتمامها وقدراتها نحو اليمن، فيما تجد إيران وحلفاؤها أنفسهم أمام مواجهة إضافية تستنزف مواردهم وتزيد الضغوط عليهم.

مثل هذا التطور يخدم إسرائيل، لأنه يضعف فرص قيام تفاهمات إقليمية قادرة على الحد من اندفاعها العسكري والسياسي، ويدفع بعض الدول إلى التعامل مع الخطر الإيراني باعتباره أكثر أولوية من الاعتراض على السياسات الإسرائيلية. وقد يفتح ذلك المجال أمام تفاهمات أمنية جديدة، أو على الأقل يخفف من قدرة هذه الدول على اتخاذ مواقف مشتركة تجاه إسرائيل، وهذا ما نعيشه بالضبط اليوم.

أما لبنان، فيحضر في هذه الخريطة من خلال موقع ​حزب الله​ ضمن المحور المرتبط بإيران، في مقابل التعامل مع الدولة اللبنانية بصورة منفصلة. وهذا التفريق موجود في الخريطة الأصلية، لكنه ينسجم أيضًا مع النظرة الإسرائيلية التي تربط المواجهة مع الحزب بالصراع الأوسع مع طهران.

وتزداد أهمية هذا الربط إذا نجحت إسرائيل في تحويل الصراع الإقليمي إلى مواجهات متفرقة تستنزف خصومها وتُبعد الدول الأخرى عن الضغط عليها. ففي مثل هذه الحالة، قد تجد تل أبيب هامشًا أوسع لتصعيد عملياتها ضد حزب الله، مستفيدة من انشغال القوى الإقليمية الأخرى بأولوياتها. لكن هذا الاحتمال لا يعني أن قرار الحرب على لبنان قد اتُّخذ، ولا أن أي توتر سعودي–يمني سينعكس تلقائيًا تصعيدًا على الجبهة اللبنانية.

يبقى أن عرض نتنياهو للخريطة يثبت أنه جزء من السعي لإشعال مواجهة سنية–شيعية، ويكشف أهمية هذه الانقسامات في حسابات القوة الإسرائيلية.