يصر وزير العدل ​عادل نصار​ على موقفه بإحالة قضية شحنة ​المتفجرات المضبوطة​ في ضهر البيدر إلى ​المجلس العدلي​. وهذا يتجاوز طبعًا فكرة تغيير المرجع القضائي الذي سيتولى التحقيق فيها، إلى طبيعة التعامل الرسمي مع القضية، خصوصًا أنها ترتبط ب​حزب الله​، وتأتي في مرحلة تتصاعد فيها الضغوط الداخلية والخارجية على الحزب في ملف السلاح. فهل ترغب الحكومة بمعالجة القضية، أم أن قرار الإحالة، في حال صدوره، سيكون بداية مسار قضائي وسياسي معقد جدًا بوجه حزب الله؟

يدرج ​مجلس الوزراء​ في جلسته المقررة اليوم الخميس طلب وزارة العدل إحالة قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر، وكل ما قد يظهره التحقيق من ارتباط مباشر أو غير مباشر بها، إلى المجلس العدلي. بعدما كان الملف موضع نقاش حكومي سابق من دون اتخاذ قرار بشأنه. وبالتالي هناك احتمال نقل الملف إلى مرجع استثنائي يتولى النظر في الجرائم التي تمس أمن الدولة الداخلي أو الخارجي.

المجلس العدلي ليس محكمة عادية يمكن للنيابة العامة إحالة أي قضية إليها، بل هيئة قضائية تتألف من الرئيس الأول لمحكمة التمييز وأربعة قضاة من المحكمة نفسها، ولا تضع يدها على أي ملف إلا بموجب مرسوم يتخذه مجلس الوزراء. وبعد الإحالة، يتولى محقق عدلي التحقيق في الوقائع وتحديد المسؤوليات، وصولًا إلى المحاكمة عند توافر شروطها القانونية. فيما تتميز أحكام المجلس بأنها لا تقبل طرق الطعن المعتادة، مع بقاء إمكان الاعتراض وإعادة المحاكمة ضمن الحالات التي يحددها القانون.

ترى مصادر مطلعة معارضة لحزب الله أنه يجب التمييز بين التحقيق في شحنة محددة، وبين تحويل القضية إلى محاكمة سياسية لسلاح حزب الله بصورة عامة. فالمجلس العدلي يستطيع التحقيق في الوقائع والجرائم المرتبطة بها ضمن نطاق الإحالة، لكنه ليس المرجع الذي يقرر السياسة الدفاعية للدولة أو يحسم الخلاف السياسي حول مستقبل سلاح الحزب. في المقابل، لا يمكن، بحسب المصادر نفسها، اعتبار مجرد ارتباط الشحنة بحزب الله سببًا كافيًا لإخراجها من المساءلة القضائية، إذ إن تحديد طبيعة المواد المضبوطة ووجهتها والغرض من نقلها ومدى مخالفة ذلك للقانون يبقى من صلب عمل القضاء.

لكن أهمية هذه الأسئلة تزداد عندما يصبح القرار الحكومي جزءًا من مواجهة سياسية كبيرة، خصوصًا أن الحزب ينظر إلى ملف سلاحه من زاوية الصراع مع ​إسرائيل​.

سياسيًا، يأتي طرح الإحالة في توقيت حساس للغاية بالنسبة إلى العلاقة بين الحكومة وحزب الله، وفي ظل ضغوط أميركية متزايدة على السلطات ال​لبنان​ية لاتخاذ إجراءات عملية في الملفات الأمنية المرتبطة بالحزب. وهو بالنسبة لمصادر قريبة من الحزب تعبير واضح عن أن الحكومة تتحرك استجابة لطلب أميركي محدد، وسيتعامل معه الحزب وفق هذه الرؤية. مشيرة عبر "النشرة" إلى أن اتخاذ قرار كهذا في الحكومة سيواجه بطرق عديدة داخل الحكومة وربما خارجها.

من هنا، فإن قرار إحالة القضية إلى المجلس العدلي، في حال اتخاذه، لن يكون معزولًا عن الواقع السياسي والأمني الذي يعيشه لبنان، خصوصًا أنه يأتي في مرحلة تتعرض فيها العلاقة بين الدولة وحزب الله لاختبارات متتالية، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية و​الضغوط الأميركية​ المرتبطة بملف السلاح. وبالتالي فإن نقل القضية إلى هذا المستوى القضائي الاستثنائي قد يُفسَّر لدى الحزب وحلفائه باعتباره انتقالًا إلى مرحلة استخدام القضاء في سياق المواجهة السياسية القائمة. وهو ما قد ينعكس سلبًا على العلاقة داخل الحكومة، وعلى قدرة السلطة على إدارة الملفات المشتركة، وفي مقدمها الوضع في الجنوب والترتيبات الأمنية المطلوبة، الأمر الذي يؤدي إلى نقل هذا الخلاف إلى مستوى جديد من التصعيد.