ربط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني بالانتخابات الإسرائيلية، حين أعلن من الدوحة أن فرنسا ستنظمه خلال الأسابيع المقبلة، معتبرًا أنه "من غير المجدي" القيام بذلك قبل الانتخابات الإسرائيلية، المقررة في 27 تشرين الأول الجاري. وبذلك، أدخل الاستحقاق الإسرائيلي في حسابات تحرك دولي يُفترض أن يساعد لبنان على تنفيذ التزاماته واستعادة سيادته.
وجاء كلام ماكرون ضمن مقاربة تجمع الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز الجيش ونزع سلاح "حزب الله"، مع إسناد المناقشات المتعلقة بالسلاح إلى مسؤولية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. كما وصف عقد مؤتمر الدعم بأنه شرط مسبق، ما يضع بناء القدرة العسكرية ضمن متطلبات المسار الذي يدعو إليه. غير أن هذا المسار يبقى مرتبطًا بظروف سياسية وميدانية لا يملك لبنان وحده التحكم بها.
وبين ما تطلبه السلطة السياسية وما تستطيع المؤسسة العسكرية تنفيذه، تتوزع مسؤوليات لا يمكن اختصارها في أداء الجيش وحده. فالمهمات اليومية تفرض عليه العمل بالإمكانات المتاحة، فيما تحتاج الحكومة إلى إظهار تقدم في تنفيذ قراراتها. ومن هنا، يتجاوز السؤال موعد المؤتمر إلى ما يمكن إنجازه قبله، وما يتعذر تنفيذه من دون موارد إضافية أو إزالة العوائق الميدانية: كيف تتوزع المسؤولية عن توفير هذه الشروط، وأين يبقى القرار لبنانيًا؟
ماذا يعني انتظار الانتخابات الإسرائيلية؟
يوحي ربط المؤتمر بالانتخابات بأن باريس تأخذ في الحسبان البيئة السياسية التي سيعمل فيها الجيش، وتنتظر صورة أوضح للموقف الإسرائيلي من الترتيبات المطلوبة. فجدوى تجهيز وحدات للانتشار ترتبط بقدرتها على الوصول إلى المناطق المعنية والبقاء فيها. ومن هذه الزاوية، يتصل توقيت المؤتمر بفرص ترجمة الدعم إلى تقدم ميداني، فيما يبقى اتجاه السياسة الإسرائيلية بعد الانتخابات غير محسوم.
ويكشف هذا الربط مقدار تأثير الحسابات الإقليمية في توقيت حشد الدعم، فيما تبقى حاجات الجيش قائمة خلال الانتظار. وهذا ما يجعل موعد المؤتمر قضية سياسية تتجاوز الترتيبات التنظيمية، خصوصًا أن انقضاء يوم الاقتراع لا يوفر تلقائيًا شروط التنفيذ. فالانتخابات لا تضمن تبدل السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، كما أن إعلان مؤتمر لا يحدد متى تصل مساعداته.
لذلك، يحتاج الانتظار إلى حدود واضحة وخطوات تحضيرية تستمر خلاله، حتى لا ينتقل الملف من ترقب الانتخابات إلى ترقب تفاهمات أخرى بلا موعد معلوم. وتتيح هذه الفترة للبنان تحديد المهمات التي تتطلب دعمًا عاجلًا، وتلك التي يمكن مواصلتها فورًا. أما الدول الداعمة، فيبقى السؤال عما تستطيع تقديمه قبل المؤتمر لتثبيت عمل الوحدات على الأرض، فالمهمة العسكرية المستمرة تحتاج إلى إمداد مستمر.
ماذا يصل إلى الجيش قبل المؤتمر؟
عمليًا، لم تتوقف المساعدات القائمة للجيش قبل انعقاد المؤتمر. ففي 16 تشرين الأول، أعلنت قيادته تسلّم عشر شاحنات من نوع "أوشكوش" ضمن برامج المساعدات الأميركية. وتؤكد هذه الواقعة استمرار أحد مسارات الدعم، لكنها لا تكفي وحدها لتقدير حجم الاحتياجات المغطاة أو ما يبقى منها، إذ يتطلب ذلك معرفة المهمات والإمكانات المتوافرة لها.
ينقل ذلك السؤال من وجود الدعم إلى كفايته وانتظامه وملاءمته للمهمات. فالآلية التي تصل إلى الجيش تحتاج إلى طاقم مدرب ووقود وصيانة وقطع غيار. والوحدة التي تتوسع مهماتها تحتاج إلى القدرة على الاستمرار في مواقعها وتبديل عناصرها وتأمين اتصالاتها. لذلك، تُقاس فائدة المساعدة بمقدار ما تضيفه إلى العمل الفعلي، وبإمكان المحافظة على هذه الإضافة خلال الأشهر التالية.
هنا تكمن أهمية المؤتمر إذا نجح في جمع المساهمات ضمن برنامج يستند إلى أولويات الجيش. ويصبح مطلوبًا تحديد ما ينقص كل مهمة، والجهة التي ستوفره، وموعد تسليمه، وكلفة تشغيله. بهذه الطريقة، يمكن للحكومة والمانحين متابعة أثر الدعم، ومقارنة ما أُنجز بما كان متوقعًا عند الاتفاق عليه.
كفرا واختبار حرية العمل
تقدم واقعة كفرا مثالًا على عائق يتجاوز التجهيز. فبحسب بيان قيادة الجيش الصادر في 20 تشرين الأول، بدأت الوحدات معالجة منشأة عسكرية في البلدة في كانون الأول 2025. وتوقفت في 16 آذار 2026، وأخلت المنطقة بطلب من لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، إثر تهديدات إسرائيلية بقصف المنشأة، التي تعرضت لاحقًا للقصف.
ويضيف البيان أن القيادة أبلغت اللجنة بأن المهمة لم تكتمل، وأن أعتدة وذخائر بقيت داخل المنشأة. وأوضح أن محاولات استئناف العمل اصطدمت بالرفض الإسرائيلي، قبل عودة الوحدات في 15 آب بالتنسيق مع اللجنة. واستمر العمل، بحسب البيان، حتى إنجاز المهمة وإقفال المنشأة في 16 تشرين الأول.
توضح هذه الوقائع، كما عرضها الجيش، أثر العوائق الميدانية في وتيرة التنفيذ. فإذا تعطلت المهمة بسبب التهديد بالقصف أو منع استئنافها، تقع على رعاة الترتيبات مسؤولية معالجة العائق وتوثيقه. ولذلك، فإن من يقيّم المدة التي استغرقتها المهمة من دون احتساب فترات التوقف بفعل التهديد والرفض، يحمّل الجيش مسؤولية تأخير لا يملك وحده إنهاءه.
مسؤولية لا تنتظر المانحين
في الداخل، تتحمل الحكومة مسؤولية تحديد ما تطلبه من الجيش وتأمين الغطاء السياسي لتنفيذه. ويشمل ذلك ترتيب الأولويات ومتابعة التنفيذ ومعالجة الخلافات التي تعوقه، بدل ترك المؤسسة العسكرية تتولى وحدها إدارة النزاع حول أصل المهمة. فالتكليف الواضح يفقد جزءًا من أثره حين تتباعد المواقف السياسية عند الانتقال إلى التطبيق، أو يصبح كل إجراء ميداني مناسبة لإعادة التفاوض على القرار.
وتقع على "حزب الله" مسؤولية التعاون مع الدولة في تنفيذ قرارات حصر السلاح، وتقديم المعلومات اللازمة لتسلّم المواقع والأسلحة. فمشكلة الوصول إلى منشأة تحت تهديد القصف تختلف عن الامتناع عن كشف منشأة أو تسليمها. ولكل حالة مسؤوليتها ومعالجتها، ولا يصح أن يُستخدم العائق الإسرائيلي لتبرير رفض داخلي، أو أن يُستخدم الاعتراض الداخلي لتجاهل أثر الاعتداءات الإسرائيلية.
كذلك، تحتاج الحكومة إلى شرح ما أُنجز وما تعطل وأسباب التعطل، بالقدر الذي تسمح به سرية العمل العسكري. ويمكنها ربط مراحل التنفيذ بالاحتياجات المحددة، مع مواصلة ما تسمح به الإمكانات المتاحة. عندها يصبح طلب المساعدة أكثر إقناعًا، لأن الدول المدعوة إلى التمويل تستطيع تمييز نقص الموارد من غياب القرار، وملاحظة ما أنجزته الدولة بالإمكانات التي تملكها أصلًا.
ماذا يريد لبنان من المؤتمر؟
تبدأ الاستفادة من المؤتمر قبل انعقاده، بإعداد مطالب تتناسب مع خطة التنفيذ. ويشمل ذلك تحديد احتياجات الانتشار والتجهيز والتدريب والاستدامة، وإظهار الصلة بين كل مساهمة والمهمة التي تتيح إنجازها. فوضوح المطالب يساعد على توزيع الدعم، ويحد من تكرار مساعدات في مجال فيما تبقى حاجات أساسية أخرى معلقة.
وبالتوازي، يحتاج لبنان إلى التزامات سياسية تتيح استخدام هذه الموارد: وقف الاعتداءات التي تعطل العمل، وتسهيل الوصول إلى المواقع، ومتابعة العوائق عبر الجهات الراعية. ويُفترض أن تقترن هذه الالتزامات بآلية متابعة تستطيع تحديد الطرف الذي لم ينفذ ما تعهد به، حتى تكون مراجعة النتائج قائمة على وقائع قابلة للتحقق.
لهذا، يضع إعلان ماكرون لبنان أمام عمل يجب إنجازه خلال الانتظار. على الحكومة أن تحسم خياراتها وتحدد احتياجاتها، وعلى القوى اللبنانية أن تتعاون في التنفيذ، وعلى الداعمين أن يوفروا موارد يمكن الاعتماد عليها ويساهموا في إزالة العوائق الميدانية. حين تتحدد هذه المسؤوليات، يصبح الحكم على أداء الجيش أدق، ويصبح المؤتمر قادرًا على إحداث تقدم يتجاوز إعلان الدعم.