لو أردنا تفنيد تعديلات المجلس الدستوري على قانون العفو العام، لكتبنا مجلّدات عنه، وخصوصًا بعد إثارة العاصفة السياسيّة لبعض نوّاب البرلمان اللبنانيين الّذين لا يعيرون أهميّة للقانون الّذي هو فوق الجميع وفوق رؤوسهم، فقط لتبرئة بعض القَتَلة والارهابيين لاخراجهم من السجون، في دولة يريد منها اللبنانيون قبل الشرق والغرب أن تحارب الفساد والمجرمين ولا يكون بعض نوابها هم من الفاسدين بامتياز.
وحتى لا نطيل الكلام، سنفنّد اليوم خريطة الملفات القضائية، وطلب إسقاط الدعوى العامة، وحدود الاستفادة من قانون العفو رقم 70/2026، لا سيّما بما يختص برياض سلامة حاكم مصرف لبنان السابق.
طلب العفو ليس حكمًا بإسقاط الملاحقة
عندما يتقدم محامي شخص ملاحق بجرائم مالية بطلب الاستفادة من قانون العفو العام، فإن الخطوة الأولى ليست إعلان سقوط التهم، بل تحديد الجرائم التي يشملها الطلب، والنصوص التي تستند إليها الملاحقة، ثم مقارنة ذلك كله بالاستثناءات الواردة في القانون وبالتفسير الذي أقره المجلس الدستوري.
وهذا التمييز ضروري في حالة رياض سلامة، الحاكم السابق لمصرف لبنان، الذي يواجه ملفات قضائية متعددة في لبنان وخارجه. فالمعلومات المنشورة في 15 تشرين الأول 2026 أفادت بأن وكيله طلب إسقاط الدعوى العامة عن بعض الجرائم استنادًا إلى قانون العفو رقم 70/2026، فيما أُرجئت الجلسة إلى 3 كانون الأول 2026. ولا تعني هذه الخطوة أن الطلب قُبل، ولا أن المحكمة قررت إسقاط أي تهمة، ولا أن جميع الملفات التي يتابعها القضاء بحق سلامة مشمولة بالطلب.
والصياغة القانونية الدقيقة هنا مهمة: نحن أمام طلب دفاعي ينتظر البت فيه، لا أمام نتيجة قضائية نهائية. كما أن الخبر المتاح يتحدث عن بعض الجرائم، ولا يحدد في النص المنشور قائمة كاملة ونهائية بكل التهم التي طلب الدفاع إسقاطها. لذلك لا يجوز أن ننسب إلى الطلب نطاقًا أوسع مما تؤكده المعلومات المتاحة.
لكن مجرد تقديم الطلب يفتح سؤالًا قانونيًا مهمًا: هل يتيح قانون العفو إسقاط ملاحقات تتعلق بالفساد المالي أو الإثراء غير المشروع أو تبييض الأموال، أم أن هذه الجرائم تقع ضمن الاستثناءات التي أبقاها المشرّع خارج العفو، ثم أكد المجلس الدستوري نطاقها في قراره رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى النصوص، لا الاكتفاء بالعنوان الذي رافق الخبر.
ملف واحد أم ملفات متعددة؟
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها في تناول قضية سلامة التعامل معها كأنها دعوى واحدة ذات وقائع وتهم متطابقة. فالمعلومات القضائية المنشورة حتى أيلول وتشرين الأول 2026 تشير إلى عدة مسارات، تختلف في موضوعها ومرحلتها الإجرائية، وإن تقاطعت بعض الاتهامات الواردة فيها.
من أبرز هذه المسارات قضية شركة «فوري أسوشيتس» (Forry Associates)، التي تتعلق بتحويلات وعمولات دفعتها حسابات مصرف لبنان إلى شركة يملكها المستفيد الفعلي شقيق سلامة، رجا سلامة، بين عامي 2002 و2015. وتدور التحقيقات حول عمولات تجاوزت 330 مليون دولار، مع شبهات بشأن انتقال أجزاء من الأموال عبر حسابات وشركات مرتبطة بالأخوين. وقد وُجهت في هذا الملف اتهامات تتصل بالاختلاس وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، لكن التقرير المنشور عن وضع القضية أشار إلى أنها لم تكن قد انتهت بحكم نهائي.
وهناك أيضًا قضية العقارات في فرنسا، ومنها عقارات في باريس ارتبطت بعلاقات تعاقدية بين مصرف لبنان وشركة مرتبطة بشريكة سابقة لسلامة. وتشمل الشبهات في هذا الملف تبييض الأموال والإثراء غير المشروع، وأُحيلت القضية إلى محكمة جنايات جونية، مع تحديد جلسة لاحقة في كانون الثاني 2027، وفق المعلومات المنشورة.
أما الملف الأحدث، فيتعلق بشكوى تقدم بها مصرف لبنان في كانون الثاني 2026 بشأن عملية مالية تعود إلى عام 2010، ارتبطت بشراء أسهم في بنك عودة من خلال سندات أصدرتها شركة في جزر كايمان. وفي 10 آب 2026، وجّه المدعي العام الاستئنافي في بيروت اتهامات إلى سلامة وإلى الرئيس التنفيذي السابق لبنك عودة سمير حنا، تتصل بشبهات اختلاس أموال عامة. وتوسعت الإجراءات لاحقًا لتشمل مزاعم تتعلق بمخالفة قانون النقد والتسليف.
وتشير التقارير إلى أن جوهر الخلاف في هذا الملف يتصل بمشروعية استثمار مصرف لبنان أمواله بهذه الطريقة. ففي حين يستند الدفاع إلى دور المصرف المركزي في حماية الاستقرار المالي، ترى جهة الادعاء أن العملية تجاوزت الصلاحيات التي يجيزها القانون، ما لم تكن هناك حالة استثنائية تهدد القطاع المصرفي.
هذه الملفات ليست متطابقة، ولا يجوز جمعها في تهمة واحدة أو افتراض أن مصيرها القضائي سيكون واحدًا. فكل ملف يستند إلى وقائع مختلفة، وأدلة مختلفة، ونصوص قانونية قد تتباين في عناصرها. كما أن وجود اتهام في ملف لا يعني ثبوته في ملف آخر، ولا يغني عن فحص المرحلة الإجرائية التي بلغها كل منها.
ما الذي يغيّره قانون العفو في هذه الملفات؟
تنص المادة الثانية من قانون العفو العام رقم 70/2026 على استثناء فئات من الجرائم المالية والمصرفية، من بينها الجرائم الواقعة على المال العام، وتلك المتعلقة بقانون النقد والتسليف والقوانين المصرفية، وجرائم الإثراء غير المشروع المحددة في النص، وجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المصرفية على أنواعها.
لكن تطبيق هذه الاستثناءات على ملف سلامة يتطلب أكثر من مجرد وجود اتهامات مالية. فلا بد من تحديد الوصف القانوني لكل فعل منسوب إليه، والنص الذي تستند إليه الملاحقة، وما إذا كان الفعل يدخل في جريمة مستثناة من العفو وفق النص الأصلي وقراءة المجلس الدستوري الملزمة.
فإذا كانت إحدى الملاحقات تتعلق بجرم فساد أو اختلاس أموال عامة أو تبييض أموال ضمن النطاق الذي استثناه القانون، فلا يجوز افتراض شمولها بالعفو لمجرد أن البند الذي يصفها تحديدًا لم يرد في الطلب أو لم يُذكر في عنوان القضية. وفي المقابل، لا يجوز أيضًا افتراض أن جميع الملاحقات ضد الشخص نفسه مستثناة بصورة تلقائية من دون مراجعة طبيعة كل تهمة على حدة.
هذا هو الفارق بين النظر إلى اسم الشخص والنظر إلى الجريمة. فالعفو العام، وفق المنطق الذي اعتمده المجلس الدستوري، يتعلق بالجريمة التي حددها القانون، لا بمنح حصانة شخصية شاملة لكل من يتقدم بطلب الاستفادة منه.
لماذا أصبح قرار المجلس الدستوري محوريًا؟
صدر قرار المجلس الدستوري رقم 12 في 12 تشرين الأول 2026، بعد الطعن في قانون العفو. وفي معرض بحثه استثناء جرائم الفساد، رفض المجلس القراءة التي تحصر الجرائم المستثناة بما ورد في البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية، وقرر أن الاستثناء يشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين النافذة والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها أيًا كانت صفتهم.
ويعني ذلك أن الاستثناء لا يقتصر على الموظف العام أو صاحب الصفة الرسمية. بل يمكن أن يشمل الشريك أو الوسيط أو المستفيد أو أي مساهم آخر، متى ثبتت مسؤوليته عن جريمة فساد داخلة في نطاق الاستثناء.
وهذا التفسير يكتسب أهمية خاصة في الملفات المالية المعقدة التي قد تتوزع فيها الأدوار بين موظفين ومسؤولين ومؤسسات مالية وشركات وأشخاص يستفيدون من العمليات. فاختلاف الصفة أو الدور لا يكفي، وحده، لإخراج أحد المساهمين من نطاق الاستثناء إذا كانت الجريمة التي ساهم فيها مشمولة به.
لكن القرار لا يحسم بنفسه مسؤولية سلامة عن أي من الوقائع المنسوبة إليه. فهو يحدد الإطار القانوني الذي ينبغي للمحاكم تطبيقه عند النظر في طلب العفو، بينما يبقى تحديد الوقائع وعناصر الجرائم ومسؤولية الأشخاص من اختصاص القضاء الذي ينظر في كل ملف.
النتيجة الأولية: لا يجوز استباق قرار المحكمة
في ضوء ما سبق، لا يصح القول إن سلامة استفاد من قانون العفو، كما لا يصح القول إن جميع الملفات التي يواجهها حُسمت قانونًا بمجرد صدور قرار المجلس الدستوري. ما نعرفه هو أن طلبًا لإسقاط الدعوى العامة عن بعض الجرائم قُدّم، وأن جلسة أُرجئت إلى 3 كانون الأول 2026، وأن القانون وقرار المجلس يتضمنان استثناءات واسعة لجرائم الفساد والمال العام والجرائم المصرفية وتبييض الأموال.
أما النتيجة، فتتوقف على الجرائم التي يشملها الطلب تحديدًا، وعلى التكييف القانوني المعتمد في كل ملف، وعلى القرار الذي ستصدره المحكمة. ولا يمكن استبدال هذه الخطوات باستنتاج صحافي، مهما كانت خطورة الاتهامات أو أهمية الشخص المعني.
لكن قرار المجلس الدستوري يضع قيدًا واضحًا على أي تفسير موسع للعفو: لا يجوز افتراض أن جريمة فساد أصبحت مشمولة به لمجرد أنها لم تُذكر حرفيًا في البندين التاسع والعاشر. وهذا ما يجعل دراسة طلب الدفاع، على ضوء النص الكامل للقانون والقرار الدستوري، ضرورة قانونية لا مجرد سجال إعلامي.