شدّدت السيدة الأولى ​نعمت عون​، خلال مشاركتها في مؤتمر القمة حول رفاه الأطفال في ​سمرقند​ في ​أوزبكستان​، على أن "الاستثمار في رفاه الأطفال يشكّل استثماراً في صحة المجتمع، فالطفل السليم يتعلّم وينمو، ثم يبني في يوم من الأيام، ولا سيما في ظل الأزمات والحروب".

وعرضت السيدة الاولى، الواقع الصعب الذي يعيشه أطفال ​لبنان​ في ظل ارتفاع معدلات ​سرطان الأطفال​، والتداعيات الإنسانية والنفسية للحرب الأخيرة.

وفي كلمتها، اشارت عون إلى أنّ "مدينة سمرقند شكّلت على مدى قرون جسراً للتواصل بين الحضارات. فمنذ أكثر من خمسة عشر قرناً، ربط طريق الحرير سمرقند بشواطئ لبنان، جامعاً شعبينا من خلال التجارة والتبادل. واليوم، آمل أن يجمعنا التزام مشترك تجاه أطفالنا، ونحن نلتقي هنا للحديث عن أهم جسر على الإطلاق: الجسر الذي يربط أطفالنا بمستقبلنا".

وقالت إن "الاستثمار في رفاه الطفل هو استثمار في صحة المجتمع بأسره. فالطفل السليم يتعلّم وينمو، ثم يبني في يوم من الأيام. وفي لبنان، يواجه هذا الاستثمار اليوم ضغوطاً كبيرة. فقد سجّل بلدنا أكبر ارتفاع في معدلات الإصابة بسرطان الأطفال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بنسبة بلغت 82 في المئة منذ عام 1990. وخلف كل رقم طفل يحتاج إلى الرعاية، وعائلة تتحمّل عبء معاناته. ويحتاج هؤلاء الأطفال إلى الحصول على العلاج وإعادة التأهيل و​التعليم​ الجيد، وإلى فرصة عيش حياة كاملة وكريمة. وفوق كل ذلك، يحتاجون إلى منزل آمن. أما الأطفال الذين يعيشون ويلات ​الحرب​، فيُحرمون حتى من هذا الحق الأساسي".

وأضافت عون: "لقد خلّفت الحرب الأخيرة في لبنان آثاراً مدمّرة على أطفالنا. فمنذ آذار 2026، قُتل أكثر من 250 طفلاً، وأُصيب أكثر من ألف طفل، بمعدّل يومي مروّع بلغ سبعة أطفال بين قتيل وجريح على مدى ستة أشهر. ولا يزال هذا العنف مستمراً. ومن بين الأطفال المصابين، يعيش 12 في المئة اليوم مع إعاقة. وبالنسبة إليهم، لن تنتهي الحرب عندما تصمت المدافع. فالتعافي هو الفصل الأطول، وهو أيضاً الفصل الأكثر عرضة للنسيان".

ولفتت السيدة الأولى، إلى أنّه "ليس كل جرح مرئياً. فالحرب تترك أعمق آثارها في النفس. وتقدّر ​منظمة الأمم المتحدة للطفولة​ (​اليونيسف​) أن أكثر من 40 في المئة من الأطفال في لبنان عانوا من ضغوط نفسية خلال الأشهر الستة الماضية وحدها. إنهم يحدّثوننا عن الكوابيس، والأرق، والخوف، وفقدان الأمل؛ وهي جميعها علامات على التوتر النفسي الناجم عن الصدمات. وإذا تُركت هذه الجروح من دون علاج، فقد تلازم أصحابها مدى الحياة. لذلك، يجب أن تكون الرعاية ب​الصحة النفسية​ جزءاً من كل مدرسة، وكل عيادة، وكل خطة وطنية للتعافي. فهي ليست ترفاً، بل الأساس الذي يقوم عليه الشفاء".

وشددت على أنّ "التعافي لا يتحقق من دون الأمان. فحماية الأطفال تعني تأمين أماكن آمنة لهم، ولمّ شمل العائلات، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية. كما تعني الالتزام بقوانين الحرب، والاحترام الكامل للاتفاقية الدولية ل​حقوق الطفل​، من دون أي استثناء لأي طرف من أطراف النزاع. فلا يجوز أبداً أن يتوقف حق الطفل في الحماية على الجانب الذي وُلد فيه من الحدود".

وأكّدت عون، أنّه "لا يمكننا حماية الأطفال من دون حماية أمهاتهم. فمن خلال ​الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية​، التي أتشرف برئاستها، نعمل على تعزيز حقوق المرأة وحماية الطفل معاً، انطلاقاً من إيماننا بأن الأم المحمية هي الملاذ الأول لطفلها".

وأوضحت أنّ "في أوقات الحرب، غالباً ما تكون المدرسة المكان الوحيد الذي يبقى مستقراً في حياة الطفل. ومع ذلك، تضرّرت أو دُمّرت في لبنان 436 مدرسة خلال الأشهر الستة الماضية، ما يعرّض نحو مئة ألف طفل من الملتحقين بالمدارس لخطر فقدان مقاعدهم الدراسية بالكامل".

وقالت السيدة الأولى: "لقد حافظ معلّمونا على استمرارية التعلّم في مراكز الإيواء، وعبر الإنترنت، وفي أصعب الظروف، وهم يستحقون منا كل الشكر والتقدير. لكن الاستمرارية وحدها لا تكفي. فأطفالنا يستحقون تعليماً جيداً، تعليماً ينمّي التفكير النقدي، والتعاطف مع الآخرين، والمهارات التي يحتاجون إليها في المستقبل".

وذكرت أنّ الصحة والأمان والمدرسة قادرة على إعادة بناء حياة الطفل. لكن القيم هي التي تمنح هذه الحياة معناها. فعندما تهتزّ المؤسسات، تبقى الأسرة، بما تحمله من قيم، الركيزة التي تمنح الطفل الثبات والتوازن. ومن خلال التعليم، تتحوّل هذه القيم إلى مسؤولية تجاه الآخرين. من هنا، أطلقنا العام الماضي مدرسة المواطنية، وهي مبادرة وطنية تمتد على خمس سنوات، وتهدف إلى تعزيز التربية المدنية القائمة على القيم في مختلف أنحاء لبنان. وقد وصلت المبادرة، في عامها الأول، إلى أكثر من 30 ألف طالب وطالبة في 150 مدرسة رسمية وخاصة في جميع المناطق اللبنانية. ونعمل هذا العام على مضاعفة العدد ليصل إلى 300 مدرسة".

وأوضحت أن "رسالتنا إلى كل طفل واضحة: أنت تنتمي إلى هذا الوطن، وصوتك مسموع، ولك دور في بناء بلدك".

وقالت عون: "قد تختلف بلداننا من حيث المساحة والتاريخ، لكن كل شخص في هذه القاعة يعرف الحقيقة نفسها: إن الطفل الذي ينعم بالأمان والصحة، ويحصل على التعليم والمحبة، يصبح مواطناً يسهم في بناء السلام. ومع اعتماد إعلان سمرقند، فلنحرص على أن تُقاس التزاماتنا ليس فقط بالوعود التي نقطعها، بل أيضاً بالحياة التي ننجح في تغييرها نحو الأفضل".

ودعت "حكوماتنا إلى إعادة توجيه أولوياتها نحو شبابنا. فالاستثمار في الأطفال هو استثمار في إنسانيتنا المشتركة، وهو أكثر الاستثمارات حكمةً التي يمكن لأي دولة أن تقوم بها".