بعد الهجوم الأول على إيران لمدة 12 يومًا في حزيران 2025، تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لهجوم ثانٍ لمدة 40 يومًا في ربيع العام 2026، ناهيك عن مئات الغارات والضربات المتقطعة والمتفرقة الأخرى خلال الأشهر القليلة الماضية. ويتردد حاليًا أن التحضيرات قائمة على قدم وساق لشن هجوم رئيس ثالث على إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما الذي سيتغير إذا ما هوجمت إيران للمرة الثالثة؟
بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أن المحللين منقسمون إلى فئتين: الأولى تتوقع ألا تتعرض إيران بعد اليوم لأي هجوم أميركي أو إسرائيلي واسع النطاق، لا قبل الانتخابات التشريعية في إسرائيل والنصفية في أميركا، ولا بعدهما. أما الفئة الثانية فهي تتوقع أن يتلقى النظام الإيراني ضربة كبرى بعد وقت قصير من إتمام هاتين العمليتين الانتخابيتين المذكورتين، بغض النظر عن النتائج التي ستتأتى عنهما. والأرجح أن الفئة الثانية من المحللين هي على حق، للأسباب التالية:
أولًا: الأزمة التي تسبب بها الصراع مع إيران في الشرق الأوسط انعكست على مختلف دول العالم، بحيث صار حل هذه الأزمة ضرورة ملحة ليس للولايات المتحدة الأميركية ولدول الخليج فحسب، بل لأوروبا ومختلف دول العالم.
ثانيًا: حل الصراع مع إيران يمر نظريًا إما عبر اتفاق سلمي أو عبر إسقاط النظام الإيراني. وبما أن طهران تعدّ نفسها منتصرًا وترفض تقديم التنازلات التي تطلبها واشنطن منها، فهي ستستمر بالمعاندة وبضرب السفن في مضيق هرمز، وبدعم الجماعات المسلحة الموالية لها في المنطقة لتنفيذ سياساتها وتوسيع نفوذها الإقليمي. وبما أن الإدارة الأميركية لم تقبل من جهتها بما عرضه النظام الإيراني عليها قبل الانتخابات، فإنها لن تضطر بعد الانتخابات إلى تقديم أي تنازل وستعاند أكثر في مطالبها. وبالتالي إن احتمال التوصل إلى تسوية سلمية عبر جولة أخرى من المفاوضات منخفض جدًا.
ثالثًا: انطلاقًا مما سبق، أي بما أن حل الصراع مطلوب وضروري اليوم قبل الغد، وبما أن التوصل إلى تسوية وسطية ترضي الجميع مستبعد، فإن الظروف ستكون مهيأة تمامًا لمواجهة عسكرية ثالثة واسعة النطاق، لتغيير الواقع القائم، وجعل إيران التي تخضع حاليًا لحصار خانق، برًا وبحرًا وجوًا، ترضخ للضغوط وتقبل بجزء من المطالب الأميركية المرفوعة.
وفي حال صحّ هذا المسار، فإن المعركة الثالثة لن تُسفر عن إسقاط النظام الإيراني، كما يأمل بعض القادة في إسرائيل، وكما يروّجون له لدواع انتخابية، مستندين إلى الأزمة الاقتصادية والمالية والحياتية المستشرية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حاليًا. لكن من شأن الجولة المقبلة من الحرب أن تعيد خلط أوراق توازنات القوة على مستوى المنطقة ككل. بمعنى آخر، الذي سيتغير بعد الجولة العنيفة الثالثة هو قدرة إيران على الوقوف بوجه التسوية المرسومة لكامل منطقة الشرق الأوسط. صحيح أن "الحرس الثوري الإيراني" سيسعى جاهدًا لتوسيع ضرباته الانتقامية لتشمل كل أرجاء المنطقة، وسيحاول إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية على مستوى الإقليم ككل، لكن الأصح أن الضربة العسكرية المقبلة التي يرجّح أن تُفتتح بموجة اغتيالات واسعة ضد كبار المسؤولين الإيرانيين المعارضين لمبدأ التفاوض، ستغيّر توازنات القوى على الأرض. والأهم أنها ستستهدف الشريان الاقتصادي النفطي لإيران، حيث يُتوقع تدمير بنى تحتية أساسية في هذا المجال في جزيرة "خارك" وفي العديد من المواقع الأخرى، بحيث لا تعود إيران قادرة على النهوض مجددًا دون تسوية تعيد بناء ما تهدّم. فالمعركة الثالثة التي ستبدأ بضربات أميركية–إسرائيلية عنيفة، والتي يُحتمل أن تشارك فيها دول عربية أخرى بمجرد تعرضها لهجمات من إيران، لن تكون على مدى ثلاثة أيام فقط – كما تردد إعلاميًا منذ فترة قصيرة – بل ستمتد لفترة تكون كافية لانتزاع موافقة إيرانية على الحد الأدنى من الشروط التي ستضعها أميركا لإنهاء الحرب.
في المقابل، توجد جهات داعمة لإيران، تسخر من هذه التوقعات، وتتوقع بدورها أن تتمكن إيران من الصمود في أي جولة قتال جديدة، بدعم من حلفائها في اليمن ولبنان والعراق، بحيث تكون هي من يفرض شروط نهاية الصراع الإقليمي وليس أميركا أو أي جهة تدور في فلكها.
في الختام، الفترة الفاصلة عن انتهاء الانتخابات التشريعية في إسرائيل والنصفية في أميركا باتت قصيرة جدًا. وستُظهر الأيام المقبلة أي النظريات هي الأصح، وأي التحليلات هو الأكثر دقة. علمًا أن الأكيد والمحسوم أن العالم أجمع لن يقبل ببقاء الانعكاسات السلبية التي أثرت على حياة الناس وعلى معيشتهم بفعل الصراع مع إيران، الأمر الذي يحتم وضع نهاية له، سلمًا عبر تسوية مقبولة بمساعدة الوسطاء الذين يبذلون جهودًا متواصلة لتجنب الحرب، أو عبر مواجهة عسكرية ثالثة تفوق بعنفها ما حصل خلال الجولتين الماضيتين!




















































