لم تعد المسألة بالنسبة إلى المودعين تقتصر على حجم الدولارات التي يمكنهم سحبها شهريًا، بل باتت تتصل بمصير هذه المبالغ وما إذا كانت ستُحتسب من أصل الـ100 ألف دولار المطروحة في إطار معالجة أزمة الودائع. فمع الحديث عن اتجاه مصرف لبنان إلى رفع سقوف السحوبات وفق التعميمين 158 و166، تتقدم أسئلة تتجاوز قدرة المصرف المركزي على تمويل الزيادة، لتطال انعكاساتها على الاحتياطات النقدية والأسعار وحركة السوق.
وبين حاجة المودعين إلى متنفس مالي جديد، والخشية من أن تلتهم موجة غلاء أي زيادة مرتقبة، تبرز إشكالية أساسية: هل تشكّل الخطوة استعادة تدريجية للودائع، أم أنها ستبقى مجرد إعادة توزيع للمبالغ التي يُفترض أن يحصل عليها أصحابها لاحقًا؟
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، عبر "النشرة"، أن "المصرف المركزي لديه الاحتياطي الإلزامي، وهو قادر على رفع سقف السحوبات"، لافتًا إلى أنه، بحسب الكلام المتداول، فإن الاتجاه هو نحو احتساب هذه السحوبات ضمن مبلغ المئة ألف دولار المطروح في إطار معالجة ملف الودائع.
وشدد عجاقة على ضرورة التمييز بين الاحتياطي الإلزامي ومسألة إعادة الودائع، موضحًا أن الأخيرة ترتبط بعوامل داخلية وخارجية تتجاوز مجرد قدرة المصرف المركزي على زيادة الدفعات الشهرية.
دولارات إضافية لتحريك الاقتصاد
ورأى عجاقة أن زيادة السحوبات تحمل انعكاسات إيجابية على أكثر من مستوى. فمن وجهة نظر المودعين، تشكّل هذه الخطوة متنفسًا ماليًا يساعدهم على الصمود في مواجهة الظروف المعيشية الصعبة والغلاء الفاحش، بعدما باتت السحوبات الشهرية مصدرًا أساسيًا لتأمين جزء من احتياجاتهم.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فأوضح أن ضخ أموال إضافية في السوق من شأنه تنشيط الحركة الاقتصادية وتعزيز الاستهلاك، وهو أمر أساسي في المرحلة الراهنة.
إلا أن عجاقة حذّر من مشكلة اقتصادية تُعرف بـ"التسريب"، موضحًا أن اعتماد لبنان الكبير على الاستيراد يعني أن جزءًا واسعًا من الدولارات التي تُضخ في السوق سيخرج مجددًا من البلد لتمويل السلع المستوردة، بدل أن يبقى داخل الدورة الاقتصادية المحلية.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى اعتماد سياسات تشجع استهلاك المنتجات المتوافرة في لبنان، وتحدّ من استيراد السلع التي يمكن تأمين بدائل محلية لها، بما يسمح بالاستفادة بصورة أكبر من الأموال الإضافية في دعم النشاط الاقتصادي الداخلي.
قدرة المركزي ومخاطر تدفق الدولار
وفي ما يتعلق بقدرة مصرف لبنان على تمويل الزيادة المحتملة، أشار عجاقة إلى أن المصرف المركزي يمتلك حاليًا نحو 12 مليار دولار، معتبرًا أن رفع سقوف السحوبات يقع ضمن قدرته المالية في الظروف الحالية.
غير أنه لفت إلى وجود تحديات مرتبطة باستمرار تدفق الدولارات من الخارج، محذرًا من أن أي اضطراب في هذه التدفقات قد ينعكس سلبًا على الوضع النقدي والاقتصادي.
وفي هذا الإطار، شدد على أهمية تحويلات المغتربين اللبنانيين، التي تشكّل أحد المصادر الأساسية لتغذية السيولة الدولارية في الاقتصاد، ما يجعل استمرارها عاملًا مهمًا في الحفاظ على الاستقرار.
هل يلتهم الغلاء الزيادة المرتقبة؟
في المقابل، حذّرت مصادر عبر "النشرة" من أن التحدي لا يقتصر على تأمين الدولارات اللازمة لرفع السحوبات، بل يشمل أيضًا كيفية تعامل الأسواق مع زيادة السيولة والقدرة الشرائية.
وأشارت المصادر إلى أن الخشية الأساسية تكمن في لجوء بعض التجار إلى رفع الأسعار فورًا، بما قد يؤدي إلى امتصاص جزء من الزيادة التي سيحصل عليها المودعون، بدل أن تنعكس تحسنًا فعليًا في قدرتهم الشرائية.
وشددت على ضرورة أن تكون الدولة قادرة على مراقبة الأسواق وضبط المخالفات والتصدي لأي زيادات غير مبررة في الأسعار، خصوصًا أن الهدف من رفع السحوبات هو تخفيف الأعباء عن المواطنين، لا فتح الباب أمام موجة جديدة من الغلاء.
وفي ما يتعلق بالمخاطر الخارجية، اعتبرت المصادر أن أي مشكلة جدية في توافر الدولار قد تأتي من الخارج، مستبعدة وجود مصلحة أميركية في التسبب باضطراب اقتصادي في لبنان.
وبين قدرة مصرف لبنان على زيادة الدفعات الشهرية، وحاجة المودعين إلى استعادة جزء أكبر من أموالهم، ومخاطر تسرّب الدولارات إلى الخارج أو امتصاصها عبر ارتفاع الأسعار، يبقى السؤال الأساسي: هل تتحوّل زيادة السحوبات إلى فرصة لتنشيط الاقتصاد وتحسين القدرة الشرائية، أم تذهب فوائدها إلى الاستيراد وارتفاع الأسعار، فيما يبقى المودع ينتظر الحل الشامل لأزمة ودائعه؟