أعاد تصديق مجلس النواب الليبي، قبل أيام، على مذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع تركيا في عام 2019، فتح الصراع في منطقة شرق البحر المتوسط من جديد، خصوصًا في ظل المواقف الرافضة التي صدرت عن مصر واليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
في هذا السياق، من الضروري التذكير بأن الخلاف كان قد بدأ في العام 2019، عندما وقعت تركيا مذكرتين أمنية وبحرية مع حكومة الوفاق في ليبيا المدعومة من قبلها، في حين كانت مصر تدعم الجانب الليبي المقابل بقيادة خليفة حفتر الذي رفض المذكرتين. أما باقي الجهات الإقليمية المعنية، فكان من الطبيعي أن يكون موقفها معارضًا، بسبب التداعيات التي من الممكن أن تترتب عليهما.
في الفترة الماضية، حصلت تطورات في ملف العلاقات التركية–المصرية، كان أبرزها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القاهرة في شهر شباط الماضي، على وقع معلومات عن أن أنقرة لن تذهب إلى أي خطوة في ليبيا دون تنسيق مسبق مع مصر. بالتزامن برزت الزيارة التي قام بها، في شهر آب الماضي، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا، حيث التقى خليفة حفتر ونجليه صدام وباقاسم، في إطار ما تسميه أنقرة سياسة "ليبيا واحدة"، وشاركت قوات من الشرق والغرب في مناورات تركية مشتركة.
في 6 تشرين الأول، تمت الإطاحة برئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، الذي كان من أبرز المعارضين للمذكرتين، وانتُخب الصالحين عبد النبي العبيدي خلفًا له. وهو ما مهد الطريق نحو تصويت البرلمان بالإجماع على المذكرة البحرية وإلغاء قرارات المقاطعة الصادرة عام 2020.
ما تقدّم يفسر جزءًا من الصراع الداخلي في ليبيا، لكن الأهم هو الصراع القائم على النفوذ في منطقة شرق البحر المتوسط، حيث تتقاطع مصالح العديد من الجهات الكبرى. ما يبرر مسارعة الخارجية المصرية إلى الإعلان أن المذكرة المتعلقة بترسيم الحدود البحرية باطلة بطلانًا مطلقًا، وتمثل تعديًا على الحقوق السيادية لمصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. بينما أكدت اليونان أن الجغرافيا وقانون البحار لا يتغيران بقرارات برلمانية أحادية. في وقت أشارت الممثلة العليا في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى أن المذكرة باطلة، ولا ترتب آثارًا قانونية على دول ثالثة.
في ظل هذا السجال، لم تتأخر إسرائيل في الدخول على الخط، متهمة تركيا بزعزعة استقرار شرق المتوسط، خصوصًا أن هناك علاقة تحالفية تجمعها مع كل من اليونان وقبرص. في حين يتمثل الاختبار المباشر في مشروع الربط الكهربائي الكبير بين اليونان وقبرص وإسرائيل، إذ يقع جزء من مساره البحري المتبقي في مياه تطالب بها أنقرة استنادًا إلى المذكرة الموقعة مع ليبيا. بينما في المقابل تُطرح الكثير من الأسئلة حول موقف الولايات المتحدة، التي كانت قد دعمت عبر ممثل الرئيس دونالد ترامب، مسعد بولس، مسار توحيد السلطتين الليبيتين، من أجل الدخول على خط المصالح الاقتصادية الكبرى.
بالنسبة إلى التداعيات، المذكرة المتعلقة بترسيم الحدود البحرية لا ترتبط فقط بعمليات التنقيب عن الغاز، بل تعني أيضًا سيطرة أنقرة على الممر المائي المتصل بين السواحل التركية والليبية. مما يحجم تطلعات اليونان وقبرص للربط البحري والمائي المباشر مع مصر والمشرق العربي وإسرائيل دون الحاجة إلى التنسيق مع أنقرة. مع العلم أن تل أبيب كانت تعتبر، منذ البداية، أن هذه المذكرة تؤثر سلبًا على خطط تصدير الغاز والربط الاستراتيجي الإقليمي مع أوروبا.
في الصورة العامة، يُنظر إلى لبنان على أنه غير معني بهذا السجال، لكن من الناحية العملية هو كان قد ذهب إلى اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع قبرص، حظيت بمعارضة كبيرة من قبل تركيا. أما الأهم فهو أن الاتفاقية الليبية–التركية كانت، منذ العام 2019، قد أثارت الكثير من علامات الاستفهام حول مسارات تصدير الغاز والمسارات البحرية نحو أوروبا. نظرًا إلى أنها تضع جدارًا قانونيًا لا يمكن تجاوزه، من وجهة نظر أنقرة، بالرغم من عدم الاعتراف بالاتفاقية من باقي الجهات المعنية. وبالتالي تفرض تحديات، ولو مستقبلية، عليه، في ظل الصراعات القائمة بين التحالفات الناشئة على مستوى المنطقة. بينما بالنسبة إلى سوريا، التي تعتبر معنية أيضًا، فهي حكمًا أقرب إلى السياسة التركية، نتيجة الواقع الذي تعيشه منذ سقوط النظام السابق.

























































