أوضح السيد علي فضل الله، خلال محاضرة ألقاها تحت عنوان " الوحدة الوطنية بين العقبات والحلول"، بدعوة من منتدى شملان الثّقافي، "أنّنا عندما نتحدّث عن الوحدة الوطنيّة، لا نريد إلغاء التّنوّع الّذي قام عليه لبنان، والّذي يمثّل مصدر غنى له، بل نريد من الوحدة الوطنيّة أن يحتكم اللّبنانيّون، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومواقفهم السّياسيّة، إلى دولة واحدة وقانون واحد، وأن يُخلص الجميع، كلٌّ من موقعه الطّائفيّ أو المذهبيّ أو السّياسيّ، لهذا الوطن".
وأكّد أنّ "الوحدة الوطنيّة لا تعني تخلّي المواطن عن طائفته أو مذهبه، ولا إلغاء حقّ الاختلاف والمعارضة، وإنّما تعني ألّا يتحوّل الاختلاف إلى عداء وصراع، أو إلى محاصصة وتقاسم جبنة هذا الوطن بين رموز الطوائف والمذاهب، أو أن تكون مصلحة طائفته على حساب أمن وطنه أو سيادته أو استقراره".
وأشار فضل الله إلى أنّ "أوّل أبواب تعزيز الوحدة الدّاخليّة هو الفصل بين الطّائفة والطّائفية، فالطّائفة انتماء دينيّ واجتماعيّ وثقافيّ، وهي جزء من تركيبة لبنان. أمّا الطّائفيّة فهي توظيف الانتماء الطّائفيّ في توزيع السّلطة والنّفوذ والموارد والوظائف، وفي تكريس التّبعيّة السّياسيّة".
واعتبر انّ "المشكلة ليست في الانتماء إلى الطّائفة أن يكون المواطن مسيحيًّا أو مسلمًا، سنيًّا أو شيعيًّا أو درزيًّا، فهذا التّعدد مصدر غنى وعنوان للتّلاقي، وهو يساهم بتعزيز القيم الّتي جاءت من أجلها الأديان، قيم المحبّة والرّحمة والعدالة بين النّاس بعيدًا عن انتماءاتهم وطوائفهم ومذاهبهم، ما يعزّز من فرص اللّقاء بينهم".
كما ركّز على أنّ "المشكلة في الطّائفيّة الّتي تجعل المواطن يحصل على حقّه لا باعتباره مواطنًا متساويًا مع بقيّة المواطنين، بل من خلال انتمائه إلى طائفته، لذا هو يحتاج إلى زعيم طائفته أو إلى الولاء له للحصول على وظيفة أو خدمة أو حماية أو حقّ يُفترض أن توّفره الدّولة وفق معايير الكفاءة والانتماء إلى الوطن. وحين تتحوّل الطّائفيّة من هويّة ثقافيّة أو اجتماعيّة إلى وسيط إلزامي بين المواطن والدّولة، تضعف المواطنة وتتهدّد معها الوحدة الوطنيّة".
وشدّد فضل الله على "ضرورة إلغاء الطّائفية من النّفوس والنّصوص والانتقال إلى دولة المواطنة، دولة الإنسان، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون قرارًا متسرّعًا؛ لأنّ إلغاء الضّمانات الطّائفيّة قبل بناء دولة قويّة وعادلة قد يزيد مخاوف الطّوائف وهواجسها من أن يكون ذلك على حسابها".
وتحدث عن العوائق الّتي قد تقف أمام الوحدة الوطنيّة قائلا: "الحرب انتهت عسكريًّا، لكن كثيرًا من آثارها لا يزال ماثلًا في الذّاكرة السّياسيّة والاجتماعيّة. فاللّبنانيّون لا يملكون رؤية مشتركة لتاريخهم الحديث، ولكلّ فريق روايته عمّا حدث ومن بدأ. ولا يمكن أن يُبنى وطن مستقرّ إذا ورث الأبناء مخاوف الآباء وأحقادهم".
ولفت إلى أن "المطلوب قراءة موضوعيّة هادفة لتاريخنا، تنقل الجميع من الصّفحات السّوداء من تاريخ الوطن من ذاكرة الانتقام إلى ذاكرة العبرة، وتتيح الاستفادة ممّا جرى في الماضي لمنع تكراره في الحاضر، وصولًا إلى رؤية مشتركة نجسّدها في كتاب موحّد للتّربية الوطنيّة وتاريخ لبنان، نقدّمه إلى أجيالنا الصّاعدة لبناء الهويّة الوطنيّة المشتركة".
وتابع فضل الله: "من الأخطار الّتي تحدق بالوحدة الوطنيّة ضعف ثقة المواطن بالدّولة، فالدّولة ليست مجرّد مبانٍ ورئاسات ووزارات وبلديّات، بل هي شعور المواطن بأنّ هناك مؤسّسات تحميه. وعندما يُطبّق القانون على الضّعيف دون القويّ، أو ترتبط الوظيفة بالولاء لرموز الطّوائف ومواقع النّفوذ وبالواسطة والمحاصصة، أو تتعطّل المؤسّسات بسبب الصّراع السّياسيّ، أو يعجز القضاء عن أداء دوره باستقلال وفاعليّة، تتراجع الثّقة بالدّولة".
وأشار إلى أنّ "من هنا، تبرز أهميّة الإصلاح الإداريّ والقضائيّ. وكلّما عجزت الدّولة عن التّنمية والحماية والرّعاية من دون تمييز، بحث المواطن عن حماية بديلة لدى طائفته أو زعيم حزبه أو جهة داخليّة أو خارجيّة".
وأضاف: "لا يمكن الحديث عن قيام دولة من دون التّوقّف عند قضيّة السّلاح، وهي من أبرز القضايا السّياسيّة المطروحة بقوّة في هذه المرحلة. ولا ينبغي معالجتها بالتّخوين أو التّفريط بالبلد وجعله في مهبّ رياح من يتهدّده، بل بتفهّم الأسباب الّتي دفعت لبنانيّين من مختلف انتماءاتهم إلى السّعي لامتلاك السّلاح دفاعًا عن وجودهم في مواجهة المخاطر الّتي يرونها محدقة بهم في الدّاخل أو الخارج".
ورأى فضل الله أنّ "المعالجة للسّلاح المتعلّق بمواجهة العدوّ الصّهيونيّ، لا يمكن أن تتمّ بإغفال مخاطره على هذا البلد وصيغته، ومن دون بناء قدرات الجيش اللّبنانيّ وجعله قادرًا على الذود عن حدود الوطن والاستفادة من كلّ القدرات الّتي تساعده على أداء دوره ضمن استراتيجيّة أمن وطنيّ تحدّد آليّات الاستفادة".
إلى ذلك، أكّد "ضرورة معالجة التّدخّلات الخارجيّة، لا سيما بعد أن أصبح كلّ فريق لبنانيّ أو طائفة أو مذهب أو موقع امتدادًا لجهات خارجيّة، ما يحوّل خلافات الدّول إلى خلافات داخل المجتمع اللّبنانيّ، والمعالجة لا تعني العمل على انعزال لبنان عن محيطه أو عن قضايا المنطقة".
وذكر أنّ "لبنان ليس في جزيرة معزولة، وبتنا في عالم تتداخل فيه القضايا الأمنيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة، لكن هناك فرقًا بين أن تكون لفئات لبنانيّة علاقات خارجيّة ذات أبعاد دينيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة أو تاريخيّة، وأن تُسخّر هذه العلاقات لمصلحة الطّرف الخارجيّ، أو أن تصبح وسيلة للتّعدّي على الآخرين، وبين أن تكون لصالح الوطن ولتقوية وتأمين حضوره في هذا العالم".
وتوقف فضل الله عند الأزمة الاقتصاديّة داعيا لمعالجتها، "فكثير من التّوتّرات الدّاخليّة ينشأ عندما تندر فرص العمل، فتبدأ الجماعات بالتّنافس على الموارد المحدودة، ويُطرح السّؤال: من استفاد، وأيّ طائفة استأثرت؟ وهكذا تتحوّل الأزمة الاقتصاديّة إلى وقود للانقسام الطّائفيّ".
وشدّد على "ضرورة معالجة الخطر النّاجم عن الفوضى الّتي نشهدها في وسائل الإعلام والتّواصل بعد التّطوّر الحاصل على صعيد هذه الوسائل، والّتي لم تعد حكرًا على بعض النّاس بل لكلّ وسيلته في ذلك. فاليوم يمكن لإشاعة أو مقطع فيديو مجتزأ أو خطاب تحريضيّ أن ينتشر بين مئات الآلاف خلال ساعات. وهذا ما يجعل التّثقيف الإعلاميّ بالغ الأهميّة، بحيث تتعلّم الأجيال التّحقّق من الأخبار والتّمييز بين الصّحيح والمزيّف، إلى جانب العمل على محاصرة خطاب الكراهية، وما يتسبّب بالفتن، وتعزيز الخطاب العقلانيّ الهادئ والّذي يقدّم أفكاره من دون أن يستفزّ الآخر أو يثير حستسيته أو يوتّره".
ورأى أنّ "الوحدة الوطنيّة ليست مسؤوليّة الدّولة والأحزاب والقيادات والمؤسّسات الدّينيّة والتّربويّة فحسب، بل مسؤوليّة كلّ مواطن في بيته ومدرسته وجامعته ومكان عمله، في الكلمة الّتي يقولها، والموقف الّذي يتّخذه، والحقّ الّذي يدافع عنه. نحن لا نستطيع تغيير تاريخ لبنان، ولا إلغاء تعدّده، لكنّنا نستطيع اختيار كيفيّة التّعامل مع هذا التّاريخ، وتحويل التّنوّع من سبب للخوف إلى مصدر قوّة، ومن خطوط تماس إلى جسور تواصل".
ودعا فضل الله إلى "جعل وحدتنا الوطنيّة مشروعًا يوميًّا، لا شعارًا موسميًّا للاستهلاك، ولنعمل معًا من أجل لبنان يشعر فيه كلّ مواطن بأنّه شريك كامل، وأنّ مستقبله لا يتوقّف على طائفته أو مذهبه أو زعيمه، بل على علمه وعمله وحقوقه وانتمائه إلى وطن يحميه ويحترمه".
وختم: "إنّ لبنان لا يُبنى بالخوف من الآخر، بل بالثّقة به؛ ولا يُحمى بالتّقوقع، بل بالتّضامن؛ ولا ينهض بالانقسام، بل بتعاون أبنائه. فبدلًا من أن نتخاصم على الوطن، فلنتنافس من دون أن نهدم الدّولة، ولندافع عن عقائدنا من دون أن ننكر حقّ الآخرين في الوجود والكرامة".