يبدأ البابا لاوون الرابع عشر، البالغ من العمر 71 عامًا، يوم الجمعة المقبل، واحدة من أكثر الرحلات البابوية الخارجية طموحًا منذ عقود، يزور خلالها الأوروغواي، والأرجنتين، والبيرو التي يعتبرها وطنًا ثانيًا له، على الرغم من خضوعه أخيرًا لجراحة لاستئصال سرطان الرئة. وبعدما أكد الأطباء أن البابا "لا يحتاج إلى أي علاج إضافي"، اتخذ قداسته قرار القيام برحلته التي تستغرق 11 يومًا إلى أميركا الجنوبية. وقال إنه "يتطلع إلى العودة إلى القارة التي عاش فيها لحظات كثيرة من حياته"، عبر جولة تستمر من 6 إلى 17 تشرين الثاني 2026، وتتضمن 12 رحلة جوية ورحلتين اثنتين وأداء صلاة على ارتفاع شاهق في جبال الأنديس. كما سيجمع في زيارته بين اللقاءات الرعوية وإلقاء كلمات أمام قادة بينهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وهو حليف مقرب للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تتسم علاقته بالكنيسة بالتوتر. ويبرز السؤال: ماذا عن الملفات الإنسانية والخلقية التي سيعرض لها قداسته خلال هذه الجولة؟
المعذبون في الأرض
بالإشارة إلى أن البابا سيترأس أكثر من 50 فعالية، تتراوح بين قداديس في أماكن مفتوحة، ولقاءات مع شعوب أصلية في منطقة الأمازون، وضحايا انتهاكات قام بها رجال دين، إضافة إلى مسنين وفقراء وذوي إعاقة، فإن الجولة تكرّس ثوابت اهتمام الفاتيكان بالمتألمين. كما وتذكّر أيضًا بما قاله البابا لاوون، في 22 آب 2026، خلال صلاته في كاتدرائية مدينة ريميني الإيطالية، إن "السيد المسيح، عندما كان يلتقي بالمرضى أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو الفقراء، كان يستقبلهم ويضعهم في مركز الاهتمام، ليشفيهم ويعيد إليهم حياة تليق بكرامتهم".
ومن الملفات الساخنة التي من المتوقع أن تثار خلال زيارة البابا لاوون الرابع عشر البيرو التي تستضيف حوالي 1.6 مليون فنزويلي.
وكان البابا أكد في أول كلمة ألقاها أمام دبلوماسيين من أنحاء العالم في الفاتيكان، في أيار 2025، "ضرورة احترام كرامة المهاجرين". كما ودعا الدول إلى وقف إنتاج الأسلحة ووضع جهود إحلال السلام على رأس أولوياتها... حتى إنه وصف نفسه بأنه "ينحدر من أسرة مهاجرة"، ودعا إلى التعاطف والتضامن مع النازحين. وركّز البابا يومها أيضًا على قضايا منها السلام، والعدالة، والأسباب الجذرية للصراعات، والحاجة إلى "دبلوماسية متعددة الأطراف".
أضاف أن خبرته في العيش في أميركا الشمالية والجنوبية، ورحلاته حول العالم، مكّنته من "تجاوز الحدود لملاقاة شعوب وثقافات مختلفة". وأشار إلى أنه سيواصل نهج أسلافه بأن يجوب العالم. وأشار على وجه الخصوص إلى الشرق الأوسط وأوكرانيا، وأنهما من الأماكن التي تعاني شعوبها "في شدة" الآن.
في المقابل، وقبل 6 أيام من جولة البابا الأميركية الجنوبية، نشرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب السبت الماضي، وفي مناسبة "هالوين"، مقاطع "فيديو" مركبة، مهينة وعنيفة، تحتفل بالترحيل القسري لمهاجرين غير نظاميين وبمطاردة "أعداء" أميركا. ونشرت "إدارة الهجرة والجمارك الأميركية" (ICE) مقطع "فيديو" عبر منصة "إكس" تضمن مزيجًا من رسوم وحوش ومهرجين ويقطين، إلى جانب لقطات لعمليات توقيف واحتجاز مهاجرين.
ويصوّر مقطع الفيديو الذي أُنجز على إيقاع أغنية "ثريلر" لمايكل جاكسون، عمليات توقيف مهاجرين. وتُسمع كلمات الأغنية التي تقول: "تسمع الباب يرتطم بقوة، وتُدرك أنه لم يعد هناك مكان تهرب إليه، تشعر بتلك اليد الجليدية، وتتساءل: هل سترى الشمس مجددًا؟".
وتُظهر مقاطع فيديو أخرى شاركها مكتب التحقيقات الفيدرالي ومسؤول في وزارة الدفاع، إدارة ترامب وهي "تطارد أعداء أميركا"، مستعينة بصواريخ وفرق أمنية، أو تقوم بالقبض على وحوش.
الفاتيكان والعلمانية
من المحطات المهمة في الجولة البابوية أيضًا، زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية، البالغ عدد أتباعها 1.4 مليار شخص حول العالم، الأوروغواي، وهي أكثر دول أميركا اللاتينية علمانية، حيث سيستقبل البابا الرئيس اليساري ياماندو أورسي. فما موقف الكنيسة من موضوع العلمانية؟
تاريخيًا، عندما تبنّت فرنسا في العام 1905، وبقرار من غالبيتها البرلمانية، الفصل بين الدولة والكنائس – بصيغة الجمع – وهو القرار الذي ما زال ساري المفعول حتى اليوم، أثار حفيظة البابا آنذاك، القديس بيوس العاشر (البابا 257)، إلى درجة أنه حرم من رعاية الكنيسة الكاثوليكية جميع البرلمانيين الفرنسيين الذين اقترعوا لصالح ذلك الفصل.
وفي هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى نوع من "التنافر التاريخي" بين ممثلي هذه الكنيسة والمفكرين من ورثة "عصر التنوير" الذين كانوا خاضوا معركتهم الأساسية ضدها، وتعتبرهم فرنسا اليوم بمثابة الآباء المؤسسين لجمهوريتها العلمانية.
ولكن الفاتيكان فتح صفحة جديدة مع العلمانية، خلال حبرية البابا بنديكتوس السادس عشر الذي "رحّب" بالمثقفين ورجال السياسة، فرأى هؤلاء في الموقف البابوي فاتحة لآفاق مستقبلية واعدة. ولم ينسَ البابا أن يشدّد على القول إن "الكنيسة لا تسعى إلى أخذ مكان الدولة"، ما يعني أنها لا تريد التدخل في السياسة. وأما في شؤون المجتمع والهوية وشؤون الساعة وما يدور في فلك شؤون الحياة العامة، فالبابا طالب بدور أكبر للكنيسة.
وكانت سبقت زيارة البابا بنديكتوس فرنسا زيارة قام بها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للفاتيكان، في كانون الأول 2007، طارحًا مقولته عن "العلمانية الإيجابية"، ومؤكدًا أن المعلم لن يستطيع أبدًا أن يحل محل الكاهن، في ما يتعلق بتناقل القيم. وقد رأى العلمانيون في موقف ساركوزي تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وبالتالي لدوره كحامٍ لمبادئ الجمهورية العلمانية التي ينص عليها الدستور...
غير أن ساركوزي لم يدّخر أي جهد من أجل استبعاد مرجعية الجذور المسيحية لأوروبا من مشروع الدستور الأوروبي بنسخته الأولى. فهل من معطيات جديدة في هذا الملف الشائك، ستتمخض عنها جولة البابا لاوون الرابع عشر الأميركية الجنوبية، وزيارته الأوروغواي؟
الفاتيكان والليبرالية
لا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أن الدولة الليبرالية تتعارض مع الكنيسة الكاثوليكية، في شأن قضايا زواج المثليين، والإجهاض، والقتل الرحيم الذي أُضفي عليه الطابع القانوني في بعض الدول، مثل بلجيكا، وكندا، وكولومبيا، ولوكسمبورغ، وهولندا، ونيوزيلندا، وإسبانيا، والكثير من ولايات أستراليا (نيو ساوث ويلز، وكوينزلاند، وجنوب أستراليا، وتسمانيا، وفيكتوريا، وغرب أستراليا)...
هدف لكل محطة
بالعودة إلى جولة البابا لاوون الرابع عشر الأميركية–الجنوبية "المؤثرة"، وبعد الأوروغواي، يتوجه البابا إلى الأرجنتين، موطن سلفه البابا فرنسيس الذي خيّب آمال الكثير من الأرجنتينيين لعدم تمكنه من زيارة بلاده خلال حبريته. ويتوقع المسؤولون توافد سبعة ملايين شخص لرؤية لاوون.
وفي بوينوس آيرس، سيعقد البابا لقاءً مع ميلي الذي كانت تربطه علاقة متوترة بالبابا فرنسيس.
وستُختتم جولة البابا لاوون لأميركا الجنوبية بعودة "مؤثرة" إلى الوطن في البيرو.
وقالت إيليز آن آلن، الخبيرة الأميركية في شؤون الفاتيكان، والتي ألفت سيرة ذاتية للبابا، لـ"وكالة فرانس برس": "أعلم أنه يتطلع في شدة إلى عودته إلى البيرو. فالأمر يعني له الكثير على الصعيد الشخصي... وهو كان عازمًا على الذهاب إليها".
وقبل أن يصبح "لاوون الرابع عشر"، أمضى روبرت فرنسيس بريفوست قرابة عقدين اثنين في تلك الدولة الواقعة في جبال الأنديس، حيث شغل في شكل خاص منصب أسقف في مدينة تشيكلايو الساحلية، بين عامي 2015 و2023.
وسيقيم البابا، وهو أول حبر أعظم في العالم مولود في الولايات المتحدة ويحمل الجنسية البيروفية، قداسًا في سهل صحراوي بالقرب من المحيط الهادئ، قبل أن يزور مدينة كوزكو، العاصمة السابقة لإمبراطورية الإنكا، ومدينة بوكالبا الواقعة في غابات الأمازون.
وسيلتقي في ليما، الرئيسة البيروفية اليمينية كيكو فوجيموري، ابنة الزعيم السابق الراحل ألبرتو فوجيموري الذي سُجن بتهم فساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والتي تستند في نهجها إلى إرث والدها.
ويُرجّح أن يتناول البابا المشكلات التي تعاني منها البيرو، بدءًا بموجة الجريمة المنتشرة التي تُغذيها عمليات القتل المأجور والابتزاز المستشري، وصولًا إلى تجارة الكوكايين التي تُعد واحدة من أكبر التجارات في العالم، وتأثيرها على الشعوب الأصلية.
ويُتوقع أيضًا أن يتطرق إلى عدم الاستقرار السياسي في البيرو، إذ إن فوجيموري هي الرئيسة التاسعة للبلاد خلال عقد، وإلى أهمية حماية كرامة المهاجرين في بلد يستضيف حوالي 1.6 مليون فنزويلي. وستكون زيارة البابا مدينة كوزكو الواقعة على ارتفاع 3400 متر مقتضبة، ولكنها ستخضع لمتابعة مكثفة... وإذا تمكن من تحقيق ذلك، فستُعزّز الصورة التي كوّنها جزء كبير من العالم عن لاوون منذ انتخابه، وهي صورة بابا شاب وقوي ومفعم بالحيوية.




















































