أشار متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عوده، في عظته خلال ترؤسه خدمة قداس عيد نقل رفات القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس، في كنيسة القديس جاورجيوس في الرميل، بحضور حشد من المؤمنين، إلى أن "الإيمان بالمسيح ليس مجرد انتماء ديني أو مجموعة من الممارسات الخارجية، بل هو حياة جديدة تنبع من رحمة الله، وتترجم أمانة وشجاعة وثباتاً في وجه الشر".
وأوضح عوده أن "الرب يدعونا إلى ألا نخاف ممن يقتل الجسد ولا يقدر بعد ذلك أن يفعل شيئاً، بل أن نخاف ممن يستطيع أن يلقي في جهنم، أي أن ندرك خطورة الانفصال عن الله وفقدان الحياة معه"، لافتاً إلى أن "الرسول بولس يكشف لنا أن هذه الحياة الجديدة ليست ثمرة استحقاقنا، بل هي عطية من الله الغني بالرحمة، الذي أحبنا وأحيانا مع المسيح ونحن أموات بالزلات".
ولفت إلى أن "تذكار نقل رفات القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر، الذي شهد للمسيح حتى الموت، يضيء حياتنا ويظهر أن العالم لا يستطيع أن ينتزع الحياة الحقيقية من الذين اتحدوا بالرب".
وتوقف عوده عند قول الرب: "ليس مكتوم إلا سيعلن، ولا خفي إلا سيعرف"، مشيراً إلى أن "الإنسان لا يستطيع أن يبني حياته على المظاهر، ولا أن يخفي حقيقة قلبه إلى الأبد". واعتبر أنه "في عصر أصبحت فيه الصورة أهم من الحقيقة، والظهور أمام الناس أهم من نقاوة الضمير، قد يتقن المرء إظهار التدين فيما قلبه أسير الكبرياء والحسد والدينونة، وقد يحافظ على حضوره في الكنيسة لكنه لا يسمح للإنجيل بأن يدخل إلى أعماقه ويغير علاقته بأخيه الإنسان".
وشدد على أن "نظرة الله مختلفة عن نظرة البشر، فهو فاحص القلوب والكلى، ويعرف ما يخبأ من مخاوف ورغبات ونوايا"، موضحاً أن "الدعوة المسيحية ليست أن نبدو أبراراً أمام الناس، بل أن نسمح لنعمة الله بأن تجعلنا مستقيمين في الخفاء كما في العلن، صادقين في كلامنا، أمناء في أعمالنا، ومتواضعين في توبتنا".
وتناول عوده مسألة الخوف، معتبراً أنه "شعور كثيراً ما يستعبد الإنسان ويشل إرادته، فالإنسان اليوم يخاف على مستقبله وصحته ورزقه وعائلته، ويعيش في قلق دائم أمام الحروب والأزمات والاضطرابات، حتى صار الخوف أحياناً يسير قراراته وعلاقاته ومواقفه".
وأوضح أن "المسيح لا يطلب منا ألا نخاف وأن ننكر ضعفنا البشري، بل أن نحرر خوفنا من عبودية العالم، ونضع حياتنا بين يدي الآب السماوي، واثقين بمحبته ورحمته"، مشيراً إلى أن "الله لا يحبنا حباً عاماً ومجرداً، بل يعرف كلاً منا معرفة شخصية، ويرى دموعه التي لا يراها أحد، ويسمع صلاته التي قد يعجز عن التعبير عنها، ويرافقه في ضعفه حين يشعر أنه متروك ووحيد". وأكد أن "الإيمان لا يعني أننا لن نعبر الأوجاع، بل أننا لن نعبرها وحدنا".
وفي حديثه عن شهادة القديس جاورجيوس، أوضح عوده أن "انتصاره لم يكن مجرد غلبة على مضطهديه، بل كان تحرراً من الخوف الذي يجعل الإنسان عبداً للتهديد والقوة والمصلحة"، لافتاً إلى أنه "واجه الاضطهاد لأنه أدرك أن أمانته للمسيح أثمن من سلامة الجسد، وأن خسارة الحياة الأرضية لا تعني خسارة الحياة الأبدية".
وأضاف أن "استشهاده لم يكن احتقاراً للحياة، بل إعلاناً أن الحياة تبلغ ملء معناها في الشركة مع الله"، مشدداً على أن "الشهيد ليس إنساناً لا يشعر بالألم، بل إنسان لا يسمح للألم بأن يفصله عن محبة المسيح، وهو لا ينتصر لأنه قوي، بل لأن نعمة الله تسنده في ضعفه، وتجعل أمانته أقوى من تهديد الموت".
واستشهد عوده بقول الرسول بولس: "بالنعمة أنتم مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله، ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد"، موضحاً أن "القديس جاورجيوس لم يشتر الملكوت بقوته، ولم يصبح قديساً باستحقاق مستقل عن الله، بل استجاب للنعمة التي دعته إلى الثبات والأمانة".
وأكد أن "الخلاص ليس جائزة ينالها الإنسان لأنه متفوق على سواه، بل عطية الله التي تستدعي جواباً حراً من الإيمان والمحبة والتوبة"، مشيراً إلى أن "ذلك لا يعني أن الأعمال الصالحة غير ضرورية، فالرسول بولس يقول إننا مخلوقون في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها". وأضاف أن "الأعمال لا تشتري الخلاص، بل تكشف أن نعمة الله تعمل فينا، وأن الإيمان الحي بدأ يثمر في حياتنا".
وفي ما يتعلق بتكريم رفات القديسين، أوضح عوده أن "بقايا الشهداء تحتل مكانة مكرمة في التقليد المسيحي، لا لأن عظام القديسين تشكل قوة مستقلة عن الله، ولا لأن الرفات تُعبد، بل لأن تكريمها هو تكريم للإنسان الذي قدسه الله، وإعلان للإيمان بأن الجسد نفسه مدعو إلى القيامة والمجد".
وأشار إلى أن "نقل رفات القديس جاورجيوس يذكرنا بأن الموت ليس نهاية المسيرة، وأن جسد الإنسان ليس شيئاً تافهاً يرمى في النسيان، بل هو مدعو للاشتراك في الحياة الأبدية"، لافتاً إلى أن "المسيح الذي تجسد من أجل خلاصنا، ومات وقام، افتدى الإنسان بكامله، نفساً وجسداً".
واعتبر أن "رفات الشهداء تشكل شهادة صامتة لكنها قوية، بأن القداسة ليست فكرة مجردة، بل حياة عاشها أناس حقيقيون، وقدموا أجسادهم وأعمارهم محبة بالمسيح".
وتطرق عوده إلى تحذير الرب من جحود الإيمان، موضحاً أن "الاعتراف بالمسيح أمام الناس يقابله اعترافه بنا أمام الله"، مشدداً على أن "هذا الاعتراف لا يقتصر على الكلام، ولا يعني أن نعلن مسيحيتنا حين يكون ذلك سهلاً ومقبولاً، ثم ننكر الإنجيل بسلوكنا حين يتطلب منا تضحية أو أمانة أو شهادة للحق".
وأضاف أن "الاستشهاد، وإن كان في صورته الدموية شهادة نادرة، يبقى في صميمه دعوة موجهة إلى كل مؤمن كي يشهد للمسيح في حياته اليومية، حيث تتواجه إرادة الله مع مغريات الحياة ومصالحنا وأنانيتنا ومخاوفنا".
وختم عوده عظته بالتأكيد أن "تذكار نقل رفات القديس جاورجيوس هو دعوة إلى فحص حياتنا في نور القيامة"، داعياً إلى "طلب شفاعاته كي يمنحنا الرب قلباً ثابتاً في الإيمان، ولساناً يعترف بالحق ولا ينطق بأي سوء، ويدين تمتدان إلى المحتاج بفرح، وحياة تشهد للمسيح من دون خوف أو رياء".
وشدد على أن "الله لا يدعونا إلى القداسة لأننا أقوياء، بل يمنحنا نعمته لننهض من ضعفنا ونسير في أعمال المحبة، فنستحق الحياة الأبدية التي أعدها لنا".