لا تبدأ المنافسة عندما تفتح الإدارة عروض الأسعار. إنها تبدأ قبل ذلك، عند تحديد الحاجة وتقدير كلفتها وكتابة الشروط التي تقرر من يستطيع المشاركة. وفي لبنان، تكشف التجربة أن الإصلاح القانوني قطع شوطًا مهمًا، لكن الشفافية في الإعلان لم تتحول بعد إلى ضمانة كافية لقياس المنافسة وكفاءة الإنفاق.
في 27 كانون الثاني 2026، وجهت هيئة الشراء العام مذكرة إلى جميع الجهات الخاضعة لقانون الشراء العام، تطلب فيها إدراج أحكام محددة في دفاتر الشروط لمعالجة العروض التي تتجاوز قيمتها التقديرية بصورة غير اعتيادية. لم تكن المذكرة إعلانًا عن صفقة مشبوهة، ولا اتهامًا لشركة رفعت أسعارها، وإنما معالجة لمسألة إجرائية أساسية: كيف تتصرف الإدارة عندما يكون العرض المقدم مرتفعًا على نحو لا يتناسب مع تقديرها الأولي؟
تكمن أهمية هذه الخطوة في توقيتها. فطريقة تقييم السعر يجب أن تكون معروفة قبل وصول العروض، حتى لا تتحول المعايير إلى اجتهاد يُصاغ بعد انكشاف أسماء المتنافسين وأسعارهم. ومن هذا التفصيل تبدأ قراءة أوسع لدور دفتر الشروط في صناعة النتيجة.
فالمناقصة ليست مجرد إعلان تتقدم بعده الشركات بعروض متنافسة. إنها عملية تبدأ داخل الإدارة، عندما تقرر ما الذي تحتاج إليه، وبأي مواصفات، وبأي كمية، وفي أي مهلة، وبأي سقف مالي. ثم تحدد شروط التأهيل، والضمانات، ومعايير التقييم، وطريقة الشراء. وكل قرار من هذه القرارات يرسم مسبقًا حدود السوق التي ستدخل إليها الشركات.
قد تكون المنافسة علنية من الناحية الشكلية، لكن عدد القادرين على خوضها يكون قد تقلص قبل الإعلان. وعندها لا يحتاج الفائز إلى معرفة مسبقة بنتيجة المناقصة؛ يكفي أن تكون قواعدها قد وُضعت بطريقة تناسب قدراته أكثر مما تناسب طبيعة الحاجة العامة.
هندسة المنافسة
يمكن لدفتر الشروط أن يحمي المال العام، كما يمكن أن يتحول إلى حاجز أمام المنافسة. الفارق ليس في حجم المتطلبات وحده، وإنما في علاقتها الفعلية بالمشروع.
في شراء سلعة تقنية، مثلًا، من الطبيعي أن تحدد الإدارة القدرة التشغيلية ومستوى الأمان والتوافق مع الأنظمة الموجودة. لكن حين تتحول هذه المواصفات إلى تفاصيل لا تتوافر إلا في منتج تجاري واحد، من دون مبرر فني كافٍ، تصبح المنافسة محدودة قبل أن تبدأ. وفي مشروع إنشائي، قد تكون الخبرة السابقة والملاءة المالية شرطين ضروريين، لكن اشتراط سجل أعمال أو حجم دوران مالي أكبر بكثير مما تتطلبه قيمة المشروع قد يستبعد شركات قادرة على تنفيذه.
لا يعني ذلك أن كل شرط صارم يخفي نية إقصائية. فالتأهيل المسبق يحمي الإدارة من الشركات التي لا تملك الخبرة أو الموارد اللازمة، ويحد من مخاطر تعثر المشروع. لكن الاختبار المهني بسيط: هل يتناسب الشرط مع حجم العقد وتعقيده ومخاطره؟ وهل يمكن تفسيره بمعيار موضوعي ينطبق على جميع المتنافسين؟
وتظهر آثار هذه القرارات أيضًا عند تقسيم المشاريع أو جمعها. فإذا جُمعت أعمال مختلفة في عقد واحد كبير، فقد تصبح المنافسة متاحة عمليًا أمام المؤسسات الكبرى وحدها. وإذا جرى تقسيم المشتريات بصورة مصطنعة لتجنب إجراءات أكثر تشددًا، فإن ذلك قد يلتف على قواعد القانون. أما تقسيم المشروع إلى حصص فنية منطقية، فيمكن أن يفتح المجال أمام شركات متوسطة ومتخصصة من دون التضحية بجودة التنفيذ.
وهناك عنصر آخر لا يقل أهمية: التخطيط. فقد أظهر مسح أجراه معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي بالتعاون مع Insights Analytica، وجُمعت بياناته في تشرين الأول وتشرين الثاني 2023، أن 13.2 في المئة فقط من الجهات الشارية المشاركة أعدت خطة شراء سنوية بصورة كاملة لعام 2023، مقابل 54.4 في المئة أعدتها جزئيًا، و32.4 في المئة لم تعدّها. وهذا يعني أن غياب التخطيط أو نقصه لم يكن تفصيلًا في بداية تطبيق القانون، بل مشكلة واجهت عددًا كبيرًا من الإدارات المشمولة بالمسح.
تظهر خطورة ذلك عندما تتحول الحاجات المتوقعة إلى طلبات متأخرة ومستعجلة. فالإدارة التي لا تعرف مسبقًا ما ستشتريه، ومتى ستحتاج إليه، وبأي موازنة، قد تجد نفسها مضطرة إلى إجراءات متعجلة أو إلى حلول شراء أقل اتساعًا من حيث المنافسة. وفي مثل هذه البيئة، تستفيد الشركات التي تعرف آليات الإدارة وتملك القدرة على الاستجابة السريعة، فيما تواجه المؤسسات الأصغر صعوبة أكبر في الدخول.
ما تقوله الأرقام
يبلغ عدد إجراءات الشراء المنشورة على المنصة الإلكترونية لهيئة الشراء العام 7,992 إجراءً منذ بدء تسجيل البيانات في تموز 2022، وفق لوحة الإحصاءات التي ظهرت في 5 تشرين الثاني 2026. هذا الرقم يعكس اتساع النشر الإلكتروني، وهو تقدم لا ينبغي التقليل من شأنه في بلد اعتادت مؤسساته إدارة جانب كبير من إنفاقها عبر إجراءات متفرقة يصعب تتبعها.
لكن عدد الإعلانات لا يقيس وحده قوة المنافسة. فقد تُنشر مناقصة ويتقدم إليها عارض واحد، وقد تتقدم شركات عدة فيما تكون المواصفات قد استبعدت، مسبقًا، مؤسسات أخرى. كما أن تسجيل الترسية لا يجيب عن السؤال المتعلق بجودة التنفيذ أو مدى مطابقة ما تسلمته الإدارة لما تعاقدت عليه.
وتساعد دراسة معهد باسل فليحان الصادرة في حزيران 2024 على فهم هذه الفجوة. فقد شمل المسح 68 جهة شارِيَة من أصل 399 جهة مستهدفة، أي بنسبة استجابة بلغت 17 في المئة، واعتمد المشاركة الطوعية والبيانات النوعية. لذلك لا يجوز اعتبار نتائجه نسبًا ممثلة لجميع عمليات الشراء في لبنان، لكنها تكشف صعوبات ملموسة واجهت الجهات المشاركة خلال المرحلة الأولى من تطبيق القانون.
ذكرت 86.8 في المئة من الجهات المشاركة أنها تستخدم الشراء بالفاتورة، و48.5 في المئة طلب عروض الأسعار، و39.7 في المئة المناقصة المفتوحة، و29.4 في المئة التعاقد المباشر. وهذه النسب تتعلق بالجهات التي أفادت باستخدام طرق مختلفة، لا بحصص هذه الطرق من إجمالي قيمة الإنفاق أو عدد العقود. لكن دلالتها تكمن في أن الإجراءات الأقل اتساعًا من المناقصة المفتوحة كانت حاضرة بقوة في ممارسة المؤسسات المشمولة بالمسح.
ورصد التقرير، في النقاشات النوعية مع العاملين في الشراء العام، حالات لتجزئة المشتريات بهدف إبقائها دون السقوف التي تستدعي إجراءات مختلفة، وهو سلوك لا يجيزه القانون إذا كان الغرض منه الالتفاف على قواعد الشراء. ومع ذلك، لا يقدم التقرير قياسًا وطنيًا لمدى انتشار هذه الممارسة، فلا يصح تحويله إلى اتهام شامل للإدارات.
كذلك أفاد 63.2 في المئة من الجهات المشاركة بأن السعر الأدنى هو معيارها الرئيسي في الترسية، مقابل 36.8 في المئة اعتمدت العرض الأفضل. ولا يحمل اختيار السعر الأدنى عيبًا في حد ذاته، خصوصًا عند شراء مواد موحدة المواصفات يمكن مقارنتها بسهولة. لكن تطبيقه على مشاريع تحتاج إلى صيانة وتشغيل وخدمات لاحقة قد يقود إلى نتيجة مضللة: عقد أرخص عند توقيعه، لكنه أكثر كلفة على الدولة خلال سنوات استخدامه.
فالمقارنة الاقتصادية السليمة لا تقف عند رقم العرض الأول. إنها تشمل كلفة التشغيل والصيانة، وعمر المعدات، واستهلاك الطاقة، وتوافر قطع الغيار، ومخاطر التأخر في التسليم. وقد تكون شركة تعرض سعرًا أعلى قليلًا أكثر توفيرًا للمال العام إذا كانت تقدم جودة أفضل وتخفض كلفة دورة حياة المشروع.
وتكشف الدراسة أيضًا جانبًا لا يرتبط بالفساد مباشرة. فقد أشار الموردون والجهات الشارية إلى أن تأخر دفع المستحقات وتقلب سعر الصرف وصعوبة الالتزام بعروض أسعار طويلة الأجل تقلل رغبة الشركات في المشاركة، ولا سيما في العقود التي تتطلب تسعيرًا مستقرًا بالليرة. بهذا المعنى، لا تنشأ المنافسة الضعيفة دائمًا من قرار إداري منحاز؛ قد تنتج أيضًا من ضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية. وعندما يتوقع المورد تأخر قبض مستحقاته، فإنه يضيف مخاطر التمويل إلى عرضه، أو يمتنع عن المشاركة أصلًا.
استثناءات تحت المجهر
من الضروري التمييز بين التعاقد غير التنافسي المخالف للقانون، وبين الاتفاق الرضائي الذي يسمح به القانون في حالات محددة. فالمادة 46 من قانون الشراء العام رقم 244/2021 تجيز التعاقد الرضائي في ظروف استثنائية، ومن بينها التعاقد مع المستشفيات والمراكز الطبية والمختبرات. لذلك لا يمكن تصنيف كل اتفاق مباشر في القطاع الصحي باعتباره مخالفة.
غير أن قانونية أسلوب الشراء لا تعفي الإدارة من إظهار أن الاتفاق حقق قيمة مناسبة للمال العام. ويبرز هذا التمييز في ملف المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الخاص بتأمين الاستشفاء للمستفيدين من الطبابة لعام 2027، المنشور على منصة الهيئة. فقد سُجلت طريقة الشراء باعتبارها مباشرة، استنادًا إلى البند السادس من المادة 46، واعتمد معيار السعر وحده، فيما ظهرت القيمة التقديرية في الصفحة العامة بوصفها سرية، ولم تتضمن خانة المبررات معلومات إضافية.
لا تكفي هذه البيانات للحكم على سلامة الملف أو عدمها؛ فالمادة القانونية تسمح أصلًا بالاتفاق الرضائي مع المؤسسات الصحية، وقد تتضمن المستندات المرفقة تفاصيل لا تظهر في الصفحة المختصرة. لكنها توضح حدود ما يستطيع الجمهور تقييمه من المعلومات المنشورة. فعندما لا تتوافر قيمة مرجعية قابلة للمقارنة، ولا تفاصيل كافية عن شروط الاتفاق والنتائج المتوقعة، يصبح من الصعب على الباحث أو دافع الضرائب معرفة ما إذا كانت الأسعار متناسبة مع الخدمات المقدمة.
تتطلب هذه المسألة شفافية لا تتوقف عند إعلان اسم الجهة الشارية وطريقة التعاقد. ينبغي أن تكون قيمة العقود الموقعة، وشروطها الأساسية، وأسباب اختيار أسلوب الشراء، وأي تعديلات لاحقة عليها، قابلة للتتبع والمراجعة وفق الضوابط القانونية. كما ينبغي أن تكون هناك بيانات تسمح بالمقارنة بين ما دفعته الدولة لمؤسسات مختلفة لقاء خدمات متشابهة، مع مراعاة اختلاف نوع الخدمة وحجمها وجودتها.
وفي هذا السياق، سُجل تقدم مؤسسي مهم في آب 2026، عندما عُيّن رئيس وأربعة أعضاء جدد لهيئة الشراء العام لولاية تمتد حتى 2031. كما أصدرت الهيئة في أيلول 2026 مذكرة جديدة توجب تضمين دفاتر الشروط مستندات وإفادات محددة، من بينها التصريح بأصحاب الحقوق الاقتصادية الذين يملكون أو يسيطرون فعليًا على الشركة العارضة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذه خطوة مهمة، لأن معرفة الاسم التجاري للشركة لا تكفي دائمًا لمعرفة من يقف وراءها أو من يستفيد من العقد.
لكن إحدى الضمانات الأساسية لا تزال بحاجة إلى استكمال. فبحسب ما أعلنته رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي في مقابلة منشورة في 23 تشرين الأول 2026، لم تكن هيئة الاعتراضات المستقلة قد أُنشئت بعد. وتكمن أهمية هذه الهيئة في أنها تتيح للعارضين مراجعة القرارات المتعلقة بشروط المناقصة وإجراءاتها أمام مرجع متخصص ومستقل قبل توقيع العقد، بدل أن يبقى الاعتراض مرتبطًا بالمسارات الإدارية أو القضائية المتاحة وحدها.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية لأن الدراسة التي أجراها معهد باسل فليحان عام 2024 أظهرت أن 95.6 في المئة من الجهات المشاركة قالت إنها لم تتلقَّ شكاوى تتعلق بإجراءات الشراء، فيما سجلت 4.4 في المئة تلقي شكوى واحدة إلى خمس شكاوى. لا يجوز تفسير هذه النتيجة على أنها دليل على خلو المناقصات من المخالفات؛ فقد ربط التقرير نفسه محدودية الشكاوى بعدم اكتمال آلية الاعتراضات وضعف تعريف الموردين بحقوقهم في الشكوى.
أما المنصة الإلكترونية، فقد أتاحت للناس الوصول إلى مراحل متعددة من عملية الشراء، تشمل الإعلانات ونتائج التلزيم والعقود والتنفيذ والمشتريات بالفاتورة والخطط السنوية. غير أن نشر المستندات إلكترونيًا لا يعادل بالضرورة اكتمال نظام شراء إلكتروني يدير العملية من التخطيط إلى تقديم العروض وفتحها وتقييمها ومتابعة تنفيذ العقود. وقد أشارت رئيسة المعهد في المقابلة نفسها إلى استمرار فجوات في البنية الرقمية والقدرات الإدارية.
والأهم أن الهيئة أعلنت في 5 تشرين الثاني 2026 نشر أول تقرير أداء يغطي الفترة 2022–2025، لكن صفحة الإعلان لم تكن تتضمن نسخة مرفقة يمكن مراجعتها عند إعداد هذه المادة. لذلك لا يمكن الاستناد إلى نتائج لم يُتح الاطلاع عليها، مع أن صدور التقرير بحد ذاته خطوة مؤسسية ينبغي أن تتبعها إتاحة مضمونه للجمهور.
لا تحتاج المناقصات إلى مزيد من النصوص القانونية بقدر حاجتها إلى منظومة تستطيع تطبيقها ومحاسبة من يتجاوزها. وهذا يبدأ بتخطيط سنوي جدي، ودفاتر شروط موحدة قابلة للتكييف الفني من دون أن تتحول إلى مواصفات إقصائية، وتأهيل يتناسب مع طبيعة العقد، ومعايير تقييم تقيس كلفة المشروع وجودته على المدى الطويل، لا سعره الأول فقط.
كما يحتاج إلى توسيع مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر تجزئة العقود عندما يكون ذلك ممكنًا فنيًا واقتصاديًا، وتخفيف المتطلبات المالية غير المتناسبة، وتأهيل موظفين متخصصين في الشراء العام، وإتاحة بيانات العقود وتعديلاتها ومراحل تنفيذها. ولا يقل عن ذلك أهمية تشغيل هيئة الاعتراضات، بحيث لا تصبح حقوق الشركات في الاعتراض مجرد مواد مكتوبة في القانون.
إن الدولة التي تشتري بأسعار منخفضة ثم تتسلم خدمات رديئة لم توفر المال، والدولة التي تعلن مناقصاتها ولا تفسر أسباب استبعاد العروض لا تكون قد حققت المنافسة بمجرد النشر. كذلك، فإن الاتفاق الرضائي الذي يجيزه القانون قد يكون الخيار الأنسب في بعض القطاعات، لكنه يحتاج إلى رقابة تتيح مقارنة الكلفة والنتيجة.
الفائز في المناقصة يجب أن يكون من يقدم أفضل قيمة للمواطن، لا من يملك أفضل قدرة على قراءة ثغرات الإدارة أو التأقلم مع شروطها. وما دام المواطن لا يستطيع تتبع الطريق من تحديد الحاجة إلى تسليم المشروع، تبقى نزاهة الإنفاق وعدًا لا يمكن التحقق من الوفاء به.