لم تكن الهزيمة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي الأميركية مجرد خسارة للأكثرية في الكونغرس، بل حملت رسالة سياسية إلى الرئيس ​دونالد ترامب​، بعد عامين على عودته إلى البيت الأبيض. فالناخب الذي أعاده إلى السلطة على وقع وعود بخفض الأسعار وتجنب الحروب، وجد نفسه أمام استمرار الضغوط المعيشية وحرب مع ​إيران​. وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الإدارة على مواصلة سياساتها، وانعكاس تبدل موازين القوى في واشنطن على الشرق الأوسط و​لبنان​.

الاقتصاد يعيد رسم الخريطة الانتخابية

لم تقتصر مكاسب الديمقراطيين على الدوائر المتأرجحة، بل امتدت إلى معاقل جمهورية تقليدية، بينها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، في مؤشر إلى اتساع الاعتراض على أداء الإدارة.

وأظهر استطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس أن نحو ثلثي الناخبين اعتبروا أن سياسات ترامب أضرت بالاقتصاد، فيما صوت نحو ثمانية من كل عشرة من هؤلاء للديمقراطيين. كما رأى نحو سبعة من كل عشرة أن الكونغرس لم يمارس رقابة كافية على الرئيس. ما يشير إلى أن التصويت لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل ارتبط أيضًا بالرغبة في الحد من نفوذ السلطة التنفيذية.

وفي هذا السياق، يصف رئيس جمعية العرب الأميركيين من أجل السلام الدكتور ​بشارة بحبح​، في حديث إلى "النشرة"، هزيمة الجمهوريين بأنها "كاسحة". معتبرًا أن ترامب لم يفِ بوعوده الانتخابية عام 2024، حين ركز على ارتفاع الأسعار في عهد ​جو بايدن​، وصولًا إلى استخدام أسعار البيض مثالًا على الأزمة المعيشية.

وعود السلام تصطدم بالحرب

إلى جانب الاقتصاد، برزت الحرب مع إيران عاملًا مؤثرًا في المزاج الانتخابي. فترامب الذي قدّم نفسه باعتباره رجل سلام، وجد إدارته منخرطة في مواجهة عسكرية أثارت اعتراضات حتى داخل الأوساط الجمهورية.

ويرى بحبح أن الحرب والعلاقة الأميركية–ال​إسرائيل​ية ساهمتا في خسارة الجمهوريين. معتبرًا أن ترامب بالغ في دعمه لإسرائيل، وتعامل معها كما لو كانت جزءًا لا يتجزأ من ​الولايات المتحدة​.

لكن نتائج الانتخابات لا تعني بالضرورة تحولًا شاملًا نحو الديمقراطيين. فقد أظهرت استطلاعات الناخبين استياءً من الحزبين، ما يوحي بأن شريحة من الأميركيين صوّتت لمحاسبة الإدارة أكثر مما صوّتت تأييدًا لبرنامج سياسي بديل.

الكونغرس يقيّد هامش المناورة

مع انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، تدخل العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس مرحلة جديدة. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، إلا أن السلطة التشريعية تمتلك أدوات التمويل والرقابة وإقرار القوانين، ما يمنحها قدرة على الضغط من دون أن تستطيع فرض تغيير فوري في قرارات الإدارة.

ويلفت بحبح إلى أن صلاحيات ​مجلس النواب​ في إقرار الإنفاق قد تؤثر على تمويل الحرب مع إيران والمساعدات العسكرية لإسرائيل. معتبرًا أن نفوذ القوى المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن تراجع، ما قد يفتح المجال أمام مراجعة بعض التوجهات الأميركية.

لبنان بين تبدل الموازين وشروط الانسحاب

أما لبنان، فلا يبدو أن نتائج الانتخابات ستؤدي تلقائيًا إلى تبدل الموقف الأميركي، في ظل ارتباط الملف بحسابات البيت الأبيض وإسرائيل وحزب الله والتطورات الإقليمية.

ويرى بحبح أن ترامب قد يصبح مضطرًا إلى مراجعة مقاربته للشرق الأوسط. خصوصًا أن مبادراته، ومنها مجلس السلام، لم تحقق، وفق تقييمه، النتائج المنتظرة، فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية.

ويشير إلى تداول طرح في الأوساط الأميركية يربط المساعدة على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي بانضمام لبنان إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، معربًا عن أمله في أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى فصل الانسحاب عن شروط التطبيع.

وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة الديمقراطيين على معارضة ترامب فحسب، بل في مدى تحويل نتائج الانتخابات إلى قرارات تؤثر على السياسة الأميركية. وبالنسبة إلى لبنان، يبقى الفارق كبيرًا بين تراجع هامش المناورة لدى الرئيس وبين حصول تحول فعلي في الموقف الأميركي من الانسحاب الإسرائيلي.