شهدت راشيا الوادي زيارة رسمية لسفير فرنسا في لبنان باتريك دوريل، ووزير الزراعة نزار هاني، وعضو "كتلة اللقاء الديمقراطي" النائب وائل أبو فاعور، ورئيس "مجلس الإنماء والإعمار" محمد علي قباني، تخلّلها افتتاح موقع لإعادة التحريج وبحيرة جبلية لتجميع مياه الأمطار، أُنجزا في إطار مشروع PARSIFAL المموّل بهبة فرنسية عبر "الوكالة الفرنسية للتنمية" (AFD)، في خطوة إنمائية وبيئية تعكس عمق التعاون اللبناني الفرنسي، وتستهدف تعزيز الموارد المائية والغطاء الأخضر ودعم صمود المزارعين والمجتمعات الريفية في البقاع.
استُهلّت الزيارة باحتفال في مبنى بلدية راشيا، تلاه جولة ميدانية على موقعي إعادة التحريج والبحيرة الجبلية.
وشكر الوزير هاني في كلمته للسفارة الفرنسية والجهات المانحة، وبخاصة الاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية والوكالة الكندية، دعمها المتواصل للقطاع الزراعي في لبنان، مثمّناً التعاون القائم بين الوزارة والشركاء الدوليين والمحليين.
وأوضح أن الوزارة عملت على توحيد المشاريع الزراعية التي كانت تنفذها الجهات المانحة بصورة منفصلة، ضمن منصة مشتركة تضم حالياً 67 مشروعاً تنفذها 54 جهة شريكة، من منظمات دولية ومحلية وإدارات رسمية، بما يضمن تنسيق الجهود وتوجيهها نحو تطبيق الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026-2035.
وأشار إلى أن الاستراتيجية ترتكز على أربعة محاور أساسية، تشمل تطوير قدرات المزارعين وتدريبهم على التقنيات الحديثة، وتعزيز الزراعة المستدامة والصديقة للبيئة، وتحسين مردودية القطاع وتأمين دخل أفضل للمزارعين، فضلاً عن ترسيخ الشراكة والحوكمة بين مختلف الجهات المعنية.
وشدد هاني على أهمية ترشيد استخدام الموارد المائية واستصلاح الأراضي الزراعية، مشيداً بدور مشروع "الأخضر" في إنشاء التجمعات المائية وتطوير البنى التحتية اللازمة لتوسيع المساحات المزروعة وزيادة الإنتاج.
وأكد أن التنسيق بين الوزارات والبلديات والجهات المانحة والمنظمات المنفذة يشكل مدخلاً أساسياً لتعزيز الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وتنمية الأرياف والاقتصاد الوطني.
ورحّب النائب وائل أبو فاعور من جهته، بالسفير الفرنسي والوفد المرافق باسم بلديات المنطقة واتحاد بلدياتها وفعالياتها وأهلها، معتبراً أن الزيارة تتجاوز بعدها الإنمائي، وتعكس عمق العلاقات التي تربط راشيا بفرنسا.
ورحّب بوزير الزراعة، معتبراً إياه من أهل البيت بفعل التقارب في الرؤية والاهتمامات والحرص المشترك على المنطقة...
وأشاد أبو فاعور بالدور الفرنسي في مساندة لبنان ومواكبة أزماته واستحقاقاته الدستورية، مؤكداً أن أهمية هذا الدور تكمن في الحرص على استقرار لبنان ومصالح شعبه بعيداً من حسابات المكاسب السياسية.
وفي الشق الإنمائي، نوّه بمشروع إعادة التحريج والبحيرة الجبلية، معتبراً أنه يشكل إضافة حيوية لراشيا ومزارعيها، لما يوفره من دعم للقطاع الزراعي وتعزيز للموارد المائية. كما شكر رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد علي قباني وفريقه على متابعة المشاريع في المنطقة، مؤكداً أن المطالب الإنمائية لراشيا وبلداتها تحظى بالاهتمام والمتابعة.
وكشف أن الموافقة صدرت عن الصندوق الكويتي للتنمية على تلزيم الاستشاري لمشروع المياه المرتقب في منطقة راشيا، تمهيداً للانتقال إلى المراحل اللاحقة لمعالجة أزمة المياه التي تعاني منها قرى المنطقة، مشدداً على أنه من غير المقبول أن تقع راشيا بمحاذاة مخزون مائي كبير، فيما تعاني بلداتها من العطش والحاجة إلى مياه الشفة والري.
وانتقل إلى الوضع الوطني، مؤكداً أن الأولوية اللبنانية تتمثل في تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وعودة الجنوبيين إلى قراهم ومنازلهم، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، ومنع أي تدخلات إقليمية، سواء من إيران أو غيرها، من زج لبنان في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.
وشدد على أهمية الدور الفرنسي في المرحلة المقبلة، وبخاصة في ما يتعلق بتمديد ولاية قوات «اليونيفيل» في الجنوب تحت علم الأمم المتحدة، بما يساهم في لجم الاعتداءات الإسرائيلية وتوثيقها وكشفها، رافضاً أي صيغة بديلة من شأنها الانتقاص من القرار الدولي 1701 أو اتفاق وقف الأعمال العدائية، أو منح إسرائيل غطاءً لشرعنة اعتداءاتها.
أعرب السفير الفرنسي باتريك دوريل بدوره، عن سعادته بالمشاركة في اختتام مشروع PARSIFAL في راشيا، مشيراً إلى أن المشروع انطلق قبل ست سنوات بالتعاون مع مختلف الشركاء والجهات الرسمية والمحلية، وفي مقدمهم مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الزراعة والبلديات والجمعيات المعنية.
وأكد أن لبنان ليس بيروت ومدنه فقط، بل هو أيضاً جباله وسهوله وغاباته وأراضيه الزراعية، لافتاً إلى التحديات التي واجهتها المناطق الريفية خلال السنوات الماضية، من النزوح باتجاه المدن إلى الصعوبات التي يعاني منها القطاع الزراعي، وصولاً إلى تداعيات التغير المناخي.
وشدد على أن التكيف مع التغير المناخي أصبح ضرورة ملحّة، موضحاً أن فرنسا جعلت مساعدة الدول الأكثر هشاشة في مواجهة هذه التحديات أولوية في سياساتها المناخية والتنموية.
وأشار إلى أن مشروع PARSIFAL يجسد هذه المقاربة من خلال الجمع بين حماية البيئة واستعادة خصوبة التربة والموارد المائية وتعزيز صمود المجتمعات المحلية وتمسكها بأرضها، إلى جانب تطوير البنى التحتية الريفية والمساحات السياحية في البقاع وعكار، بما يساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل.
وأكد استمرار دعم فرنسا والوكالة الفرنسية للتنمية للمشاريع الإنمائية والبيئية في لبنان، مشدداً على أهمية الحفاظ على الأراضي الزراعية ومواردها لتبقى مصدر رزق وحياة للأجيال المقبلة.
وعلى المستوى الوطني، أكد دوريل أن سيادة لبنان واستقراره وحماية مصالح شعبه تبقى من أولويات فرنسا، مشدداً على أن العلاقة بين البلدين لا تقتصر على الصداقة، بل تقوم على الأخوّة والمسؤولية المشتركة، قائلاً: "يمكنكم الاعتماد علينا، ونحن نعتمد عليكم أيضاً".
وأما رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد علي قباني، فأكد أهمية الاستثمار في الموارد الطبيعية وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، مشيراً إلى الدور الذي تؤديه مشاريع التحريج والبحيرات الجبلية في دعم القطاع الزراعي وتحسين إدارة الموارد المائية، ولا سيما بحيرة راشيا التي تشكل رافعة مهمة للمزارعين وأصحاب الأراضي.
وأوضح أن المشروع أسهم في تحريج نحو 675 هكتاراً في خمسة أقضية، وإنشاء ثماني بحيرات جبلية، سبع منها في البقاع وواحدة في عكار، إضافة إلى تنفيذ قنوات ري بطول يقارب 25 كيلومتراً.
وأكد رئيس بلدية راشيا الوادي رشراش ناجي من جهته، أن الزراعة شكلت على الدوام ركيزة أساسية في حياة راشيا، بفضل خصوبة تربتها ومناخها الملائم للعديد من المزروعات، مشيراً إلى أن تأمين مياه الري كان من أبرز التحديات التي واجهت المزارعين، ولذلك وضع المجلس البلدي هذه المسألة في صدارة أولوياته منذ انطلاق عمله، بهدف إعادة الأراضي إلى الإنتاج وتعزيز القطاع الزراعي.
وأوضح أن المشروع يجمع بين الممر البيئي الذي يتيح للزوار اكتشاف طبيعة راشيا وجمالها، والبحيرة الجبلية التي ستؤمّن مياه الري لنحو 400 مزارع ومربّي مواشٍ، وتتيح تحويل مساحات واسعة من الأراضي البور إلى أراضٍ زراعية مروية.
وختم بدعوة أصحاب الأراضي في منطقة سهام الجبل إلى استثمار أراضيهم وزراعتها، مجدداً مطالبته وزير الزراعة بتسهيل معاملات تراخيص استصلاح الأراضي وإعادة صلاحية منحها إلى البلديات، بما يساهم في تنشيط الحركة الزراعية وتحقيق التنمية المستدامة في راشيا.