حتى الآن أظهرت الحكومة التي تبنّت شعار «النأي بالنفس» منذ اندلاع الأزمة السورية، عجزها عن التوصّل إلى مقاربة استراتيجية للتعامل مع التدفّق الحالي والمحتمل للّاجئين السوريين.

هذا الملف أدّى وسيؤدّي في نهاية المطاف الى إحداث خلل فاضح في النسيج الاجتماعي للبلد، إذ يصل عدد المشرّدين داخليّاً في سوريا إلى 3 ملايين شخص، ولبنان هو البلد الوحيد المجاور لسوريا الذي لا يسيطر على حدوده بفعالية.

من الناحية الاجتماعيّة النتيجة معروفة حتماً، أمّا من الناحية الأمنيّة فإنّ النتيجة خطيرة ومدعاة قلق كبير، خصوصاً أنّ لبنان استطاع حتى الآن أن يتجنّب حتى الاضطرابات الأمنيّة الكبرى، في ظلّ دولة ضعيفة، والتوتّرات الطائفية على أشدّها، والتحالفات السياسية منقسمة ما بين مؤيّد للنظام السوري ومناهض له،على حدّ قول مصادر أمنيّة رفيعة، ففي المناطق ذات الغالبية الشيعية والتي يُستضاف فيها اللاجئون السنّة أساساً، بقي الوضع حتى الآن هادئاً إلى حدّ كبير، لكن ثمّة خطر في أن يتحوّل نقطة اشتعال مع استمرار تصاعد التوتّرات الطائفية.

والأخطر من ذلك هو محاولة إنشاء مخيّمات للنازحين السوريين في منطقة البقاع الأوسط وتحديداً في مناطق المرج والدلهميّة والفاعور وبرّ الياس، حيث تضمّ هذه المخيّمات عدداً كبيراً من المقاتلين السوريّين وبينهم جرحى يعالجون حتى الآن، وغالبيتهم من "الجيش السوري الحرّ" و"جبهة النصرة"، وهذه الجماعات تتمتّع بحراسة أمنيّة مشدّدة، إذ لا يمكن أيّ كان دخول أيّ مخيّم من دون الحصول على إذن مسبق من رئيس البلديّة.

وتبدي المصادر الأمنيّة عينها خشيةً من أن تكون هذه المخيّمات خطوة تمهيديّة لإنشاء قاعدة عسكريّة لوجستيّة للمعارضين السوريين على أرض لبنان، خصوصاً أنّ هذه المخيّمات تموّلها جمعيات خليجيّة معروفة.

وبالتالي فإنّ إنشاء مخيّمات يشكّل خطراً كبيراً على النازحين بالتحديد، ويفرض تحدّيات خطيرة على الأجهزة الأمنيّة في ظلّ الوضع الأمنيّ الصعب الذي يتخبّط به الوطن، وحُكماً، في حال انفلات الوضع ستحدث اشتباكات عنيفة بين سكّان هذه المخيّمات والأجهزة الأمنيّة في حال التمرّد، وحدوث حركات ثورية. وفضلاً عن ذلك، فإنّ فكرة تكريس إنشاء المخيّمات تدعو الى دقّ ناقوس الخطر، لأنّ هؤلاء اللاجئين يتجمّعون في بعض المناطق، بما يجعل من الممكن حدوث توطين سياسيّ لحالتهم.

على أنّ إقامة هذه المخيّمات في البقاع الأوسط لم تلقَ أيّ معارضة لدى الجهات اللبنانيّة الرسميّة التي رفضت منذ بداية الأزمة انتقال عدوى إقامة المخيّمات للنازحين على غرار الأردن وتركيا لأسباب سياسية وأمنية، والدليل بقاء هذه المخيّمات على حالها حتى الآن، وهي التي أنشِئت منذ نحو ثلاثة أشهر.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تسمح الحكومة بإقامة مخيّمات للنازحين في البقاع، والحبل على الجرار في الشمال وعكّار، لا سيّما وأنّ مسألة إقامة مخيّمات خصوصاً لهم، ستتحوّل معسكرات لمسلّحي المعارضة السورية من التكفيريين وتنظيم "القاعدة" وحلفائهم في لبنان؟

الجهات التي تقف وراء إنشاء هذه المخيّمات في البقاع معروفة، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم في هذا الصدد هو: هل سعت الحكومة الى معرفة هويّة الجهات التي تدعم المشروع؟ وبالتالي فإنّ صمتها إزاء إقامة مخيّمات، يطرح أكثر من علامة استفهام.

وهنا تتخوّف المصادر من أن يتكرّر سيناريو سبعينات القرن الماضي وما حصل مع اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً أنّ عدداً كبيراً من النازحين السوريين يحملون السلاح، وبالتالي أضحوا مسلّحين، ما يجعل وجودهم أحد عوامل انعدام الأمن والاستقرار.

وعلى الرغم من إصرار حركتي "فتح" و"حماس" على قرار عدم التورّط في النزاع اللبناني ـ السوري فإنّ هناك تخوّفاً أيضاً من أن تنجرّ مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين ذات الغالبية السنّية، مثل عين الحلوة قرب صيدا والمخيّمات الأخرى في بيروت ومحيطها، إلى التوتّرات المذهبيّة المشحونة والقابلة للانفجار.