هل بدأت مرحلة العد العكسي لمتغيرات لبنانية تواكب التطورات السورية، فيما يغرق اللبنانيون بسجالات حول تشكيل الحكومة وشكلها واسم رئيسها؟ فبغض النظر عن نتائج النقاش الدائر بشأن الاستحقاقات الدستورية، يبقى الثابت ان الكيان في خطر

هيام القصيفي

إعلان

لم يعد الوضع اللبناني يستحوذ على اهتمام المحافل الدولية ومراكز الدراسات الاميركية والاوروبية الجدية، الا بمدى التصاقه بالوضع السوري. لذا فالحديث عن الازمة اللبنانية الراهنة بفعل استقالة الحكومة، يبدو جانبيا في المفاوضات الاقليمية والدولية، الا من زاوية ربط لبنان ومستقبل نظامه السياسي واستقراره الامني بتداعيات الازمة السورية، وما يمكن ان تنتج منه في الايام المقبلة من قرارات مصيرية في شأنها تظهر تبعاتها تدريجا.

وبحسب مصادر سياسية مطلعة فان الكلام الذي بدأ الحديث عنه قبل اشهر عن ذهاب لبنان نحو الفراغ على كافة مستوياته، لم يؤخذ في الاسابيع الاولى بجدية، بفعل غرق بعض القوى السياسية في التفاصيل المحلية.. الى ان اصبح الفراغ امرا واقعا الى حد يفوق بخطورته وصعوبته الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود. فقد اتت استقالة الحكومة، في وقت مصيري، لتنذر بأن ثمة منحى جدياً بتعميم الفراغ على اكثر من مستوى. فتوقيت الاستقالة جاء في اللحظة التي انعدم فيها اي امل باجراء الانتخابات في مواعيدها، ولا حتى بتأخير تقني ما لم يتم الاتفاق على قانون للانتخاب. وهو امر يكاد يكون متعذرا بعد الانفصام التام بين قوى 8 و14 آذار وبين المسيحيين الذين كانوا قد اتفقوا على المشروع الارثوذكسي، قبل ان تنقلب القوات اللبنانية في اتجاه المشروع المختلط.

ولا يمكن فهم ابعاد الاستقالة ومنحاها الممعن في الفراغ، الا بعد استعادة تلويح العماد ميشال عون بأن الحكومة، اذا لم تتم الانتخابات في موعدها، قادرة على ملء الفراغ بالمراسيم التشريعية. فأطيحت الحكومة قبل ان يحزم رئيس المجلس النيابي نبيه بري امره ويدعو الى عقد جلسة تشريعية لاقرار قانون الانتخاب. وهذا يعني ان تدرّج الرسم البياني يذهب الى حد القول انه لم يعد مسموحا بقاء الحكومة او استمرار عمل المجلس النيابي ولا حتى الاجهزة الامنية بعد شغور مركز المدير العام لقوى الامن الداخلي، وما يمكن ان يستتبع من احتمال فراغ مركز قائد الجيش. مع العلم ان هذين الاستحقاقين ليسا مفاجئين، بل ان الحديث عنهما بدأ بجدية منذ ما قبل تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. في حين استلزم بتهما اشهرا طويلة قبل ان يتركا للحظة مصيرية فرغت فيها جعبة السياسيين من حل توافقي، فطار مركز الاول ويكاد منصب الثاني ان يصبح في مهب التأويلات، رغم ان عمر التحذير من مغبة خلوه كأحد المناصب المارونية الاولى اكثر من عامين، وهذا امر يعرفه جيدا السياسيون اصحاب الشأن.

والفراغ النيابي الذي يتعاظم الخوف منه بعدم اجراء انتخابات نيابية وعدم التمديد للمجلس النيابي، في بلد قائم على نظام برلماني، يعني في ما يعنيه من افراع للدستور من بنيته الاساسية، (ونحن على ابواب سنة انتخابات رئاسة الجمهورية) ما يؤدي حكماً الى انهيار شامل على صعيد المؤسسات السياسية، وجنوح نحو شل البلد اقتصاديا، في ضوء ملامح تحذيرات بدأت تظهر في اكثر من قطاع حيوي، مع استمرار الضغط على الجانب المصرفي. وهذا يؤدي تلقائيا الى اعادة فتح السجال والنقاش حول النظام اللبناني القائم على الطائف واحداث متغيرات فيه تعيد تركيب البلد على اساس التوازنات التي افرزتها الاحداث المحلية والاقليمية.

لذا يبدو الحديث عن الحكومة، وكأنها تفصيل في منحى الحدث السوري، لانه بات واضحا ان المظلة الاقليمية والدولية التي كانت تحمي لبنان، لم تظهر بعد لتمسك مجددا بيد اللبنانيين من اجل ابعادهم عن حافة الهاوية. فحكومة لبنان لم تكن مرة صنيعة محلية، لا في ظل الوجود السوري ولا بعده، لكن لا يبدو حتى الان ان ثمة تدخلا طارئا على خط ازمة الحكومة للدفع بتأليف بديل عنها قريبا. لذا تم تداول احتمال تأجيل رئيس الجمهورية ميشال سليمان موعد الاستشارات، رغم حرصه على الاجراءات الدستورية، لبلورة قاعدة مشتركة ولو بحدها الادنى من اجل تسمية رئيس عتيد للحكومة، حتى لا ينفرط عقد البلد اكثر مما هو عليه راهنا. وإذا تم التدخل الدولي على مستوى عال لمد عمر الازمة اللبنانية، باقل الاكلاف الممكنة، مواكبة لما يمكن ان يقع في سوريا، فيتم الاتفاق على «بروفيل» رئيس الحكومة المكلف، مع بقاء حكومة تصريف الاعمال، فسيكون ذلك أخف وطأة من الانهيار الكامل والقطيعة الداخلية التي قد تؤدي الى مرحلة عنف، ظاهرها لبناني وباطنها سوري.

واستطرادا، لا يعود اسم رئيس الحكومة العتيدة مهماً، ما دامت الحاجة الى وجوده أقوى من الاسم في حد ذاته ومن فعل التأليف ايضا. فمن يمكن ان ينتظر تشكيلا سريعا للحكومة في وقت مستقطع بين كافة المتغيرات المحيطة بلبنان، في وقت استلزم تشكيل حكومة ميقاتي خمسة اشهر، ولم يكن البلد يواجه ازمة فراغ من النوع يهدد الكيان اللبناني؟

وسط هذه الصورة، تبدو الخيارات غير متوازنة بين القوى السياسية، وسط تفاصيل لا تبدو مهمة ازاء حجم ما يقبل عليه لبنان. فقوى 14 آذار الموزعة بين المستقبل والقوات والكتائب والمسيحيين المستقلين، بدأت الحديث عن شكل الحكومة ونوعها وتكاد تصل الى توزيع الحقائب، حتى قبل موعد الاستشارات، وهي اتفقت جميعها على سلة أسماء مرشحة للتسمية، بعدما حصرت مواصفات رئيس الحكومة، ما يجعل اعلان الاسم الخميس متوقعا الى حد كبير بحسب مصادرها. مع العلم انها خففت سقف التوقعات من حكومة اقطاب وحكومة انقاذ الى حكومة «من غير المرشحين، وغير حزبيين»، وليس حكومة حيادية، يمكن ان تشكل منفذا واقعيا لخرق جدار الازمة، ومهمتها تقنية فحسب لادارة الانتخابات وتخفيف انعكاس التوتر الاقليمي على لبنان. وهذا يفضي حكما الى استبعاد بديهي للرئيس نجيب ميقاتي اولا وآخرا، وفريق عون وامل وحزب الله. في حين ان ثمة من يخشى ان يكون فريق 14 آذار قد قرر القيام بحركة التفافية، عبر حرق اسماء مرشحين والتكتم على الاسم حتى الخميس، وتقديم اسم اللواء اشرف ريفي للاشراف على الانتخابات، وهو الذي ردد اكثر من مرة انه لا يريد الترشح للانتخابات النيابية.

اما رئيس جبهة «النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط، فقد رشح ميقاتي ورمى كرة استبعاد وزراء تكتل التغيير والاصلاح عن حقيبتي النفط والاتصالات، في حضن 14 آذار والسعودية لابعاد الكأس المرة عنه. لكن احدا لم يتلقفها، لا بل ان المناورة التي حاول القيام بها لاستعادة دوره كما كانت الحال عشية الحلف الرباعي وغيره من تحالفات الربع الساعة الاخيرة باءت بالفشل. وبحسب أوساط في قوى 14 آذار فان مروحة خياراته لم تعد كبيرة، وهو بات امام حل وحيد: اما السير بمرشح 14 آذار لحكومة من غير المرشحين للانتخابات، أو البقاء حيث تموضع قبل اعوام، وهو ما سبق ان سمعه في السعودية حين زارها بنفسه.

في المقلب الاخر ثمة اولويات مختلفة، بين بري الذي يرجح كفة المستقبل وجنبلاط بكل قوته على كفة عون، وبين حزب الله المنصرف بكل فرق عمله الى احاطة شاملة للوضع اللبناني والسوري بعيدا عن سجالات الداخل. وكذلك الامر بالنسبة للعماد ميشال عون الذي لا يعبأ بتشكيل الحكومة الجديدة ولا بالتسميات، ولا بتلويح البعض بانه لن يحظى مجددا بعشرة وزراء. اولويته قانون الانتخاب وعقد الجلسة النيابية مهما كلف الامر ولو سقط الارثوذكسي على مذبح التصويت فيها. يريد عون احراج بري الى النهاية، بعدما استمهل الاخير نتيجة وده المستجد مع القوات اللبنانية عقد الجلسة التشريعية حتى اللحظة التي صار فيها تطيير الحكومة واقعا، فاطاح نصراً حققه عون بفرض المناصفة سقفا عاليا للمسيحيين. وهنا لب المشكلة التي يسعى حزب الله الى فك عقدتها في لقاء الاكثرية اليوم من دون توقع انفراج حقيقي. ويريد عون في المقابل اخذ القوات والكتائب الى نهاية مطاف الارثوذكسي ليضعهما امام الرأي العام المسيحي ومعهما محصلة نقاشات برعاية بكركي افضت الى عدم تصويتهما على الارثوذكسي، رغم ان الكتائب اقرب الى التصويت عليه.

لكن بين كل هذه الحسابات الضيقة من جانب قوى 8 و14 آذار، ثمة من يقول لعون والقوات والكتائب، ان اسقاط الحكومة لن يرتد الا على المسيحيين، فجمهورية الطائف في خطر، وجمهورية البطريرك الياس الحويك وجغرافيتها في خطر.