بادرت باريس عبر المتحدّث الرسمي باسم الخارجية الفرنسية إلى تهنئة غسّان هيتو بانتخابه رئيساً للحكومة السورية الموَقّتة، باعتبار أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تسهم في توحيد صفوف المعارضة السوريّة، فما هو الموقف الفرنسي الحقيقي من خطوة المعارضة السوريّة هذه؟
تفيد مصادر ديبلوماسيّة رفيعة لـ"الجمهورية" أنّ هذا الانتخاب جاء أساساً نتيجة مساعٍ سعوديّة - قطريّة حثيثة، علماً أنّ واشنطن كانت تُفضّل عدم اتّخاذ هذه الخطوة، كما أنّ عدداً من المعارضين السوريّين احتجّوا على هذا الإجراء.
وتعبّر المصادر عن ترحيب الإليزيه بانتخاب رئيس حكومة سوريّة معارضة منسجم مع المواقف الفرنسيّة السابقة، التي تعتبر تشكيل حكومة موَقّتة عاملاً مساعداً في تسهيل تسليح المعارضة وإعطاء بديل حقيقي عن النظام السوري القائم وقلب مواقف القوى في الميدان، كما أنّ هذا الموقف الفرنسي يهدف الى إعطاء باريس هامش مناورة أوسع في معالجة ملفّ سوريا، حيث أوحت التفاهمات الأميركيّة - الروسية أحياناً بأنّها تستبعد فرنسا، وهو ما عبّر عنه كذلك المبعوث العربي - الأممي الأخضر الابراهيمي الذي امتعض في أكثر من مناسبة من الدور الفرنسي وحاول حصر التداول في الشأن السوري مع واشنطن وموسكو.
ومن الواضح أنّ باريس تسعى إلى أن تكون حاضرة في أيّ ترتيب يتعلّق بالأزمة السورية، وهي التي تشاورت أخيراً مع الروس والأميركيّين في تسمية شخصيات تمثّل المعارضة والنظام لإطلاق حوار سياسيّ في إطار بيان جنيف.
وفي ذلك الوقت بدت باريس راضخة للضغط الأميركي للسير بهذا الخيار، ثمّ عادت لتُصعّد في موضوع تسليح المعارضة السورية ومشت في الركب الخليجي الداعي الى تشكيل حكومة سوريّة موَقّتة. لكن يبقى السؤال، إلى أيّ مدى تسيطر فرنسا أو تؤثّر في مسار الأمور على الأرض السورية؟
وتعتبر المصادر أنّ باريس تأمل أن تسهم هذه الخطوة في تماسك المعارضة بقيادة رئيس الائتلاف المعارض معاذ الخطيب، وأن تساعد على اعتماد حلّ للأزمة السوريّة. كما تتطلّع فرنسا إلى أن يكون هذا الانتخاب خطوة على طريق تحضير عملية الانتقال السياسي في سوريا.
أمّا على الصعيد الداخلي الفرنسي لجهة نيّة فرنسا تسليح المعارضة السورية، وفي معزل عن الموقف الأوروبي، توالت ردود الفعل المشكّكة خصوصاً من المعارضة اليمينيّة.
ففي حين اعتبر وزير الخارجية السابق ألان جوبيه أنّ تسليح المعارضة كفيل بتعديل موازين القوى على الأرض، اعتبر رئيس الحكومة السابق فرنسوا فيون أنّ تزويدها بالسلاح المتطوّر يغذّي حرباً أهلية من دون نهاية ويشكّل خطراً كبيراً لأننا لا نعرف ما سيكون مصير هذا السلاح في المستقبل.
من جهته، دعا رئيس كتلة الـ ump في البرلمان الفرنسي كريستيان جاكوب الى الحذر في مسألة تسليح المعارضة وعدم الخروج عن الإجماع الأوروبّي وعزل فرنسا، مؤكّداً أنّ حزبه سيُسائل الحكومة هذا الأسبوع حول مبادرتها التسليحيّة.
كما صدرت مواقف محذّرة عن عدد من الشخصيات النيابية اليمينيّة ومن الجهة الوطنيّة في أقصى اليمين. ويخشى البعض سيناريو شبيهاً بالسيناريو الليبي، حيث انتهى السلاح في أيادي متطرّفة وأدّى إلى زعزعة الاستقرار في دول الجوار الليبي (الأزمة في مالي).
كما أنّ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لم يوضح حتى الآن ما هي الضمانات التي حصل عليها في هذا الخصوص للحؤول دون وصول السلاح الى المتطرّفين في سوريا، خصوصاً بعدما أعلن وزير الخارجية لوران فابيوس أنّ قرار التسليح يأتي كذلك ضدّ تنظيم "القاعدة" الذي ينشط في سوريا.