مع إقتراب كلّ إستحقاق إنتخابي يعود الحديث عن الهواجس التي تراود المجتمع من قانون انتخابي الى أمور أخرى قد تؤثر سلباً في مسار العملية الإنتخابية. فمما لا شك فيه أن القانون الإنتخابي العادل هو المدخل الأساس للإصلاح الإنتخابي وتحقيق الديمقراطية، الا أن أموراً كثيرةً تلعب دوراً في إنحراف العملية الإنتخابية عن مسارها الصحيح وأبرزها المال الإنتخابي والرشوة وهما رمزان أساسيان "للفساد" على حد تعبير البعض.
القانون يضبط المال الإنتخابي!
موضوع المال الإنتخابي ليس موضوعاً مستجداً بل واكب كلّ الإنتخابات منذ بدايتها، ففي العام 2008 كانت المرة الأولى التي ينظم فيها القانون أو يحاول تنظيم الإنفاق المالي بشكل مفصل، وهذا ما يؤكده وزير الداخلية السابق زياد بارود في حديث لـ"النشرة"، معتبراً أن "قانون 1960 متقدم لهذه الناحية فهو أدخل للمرة الأولى ضمن إطار هيئة الإشراف ومهامها مفهوم الحملة الانتخابية ومتى تبدأ ومتى تنتهي وما يدخل فيها من مصاريف إنتخابية، وما هو مفهوم المصاريف الإنتخابية وماذا تشمل هذه المصاريف"، لكنه يلفت إلى أنّ "هذا التنظيم غير كاف على الإطلاق"، مضيفاً: "نحن بحاجة الى قانون يضبط المال الإنتخابي بشكل أفعل وأفضل"، ويشدّد على أنه "لم يكن راضياً عما كان قائماً عام 2009 على مستوى التشريع تحديداً رغم أن الإنتخابات عام 2009 كانت الوحيدة التي نظم فيها المال الإنتخابي".

لرفع السرية المصرفية عن حسابات المرشحين!
يدعو بارود الى "رفع السرية المصرفية عن كلّ حسابات المرشحين، إذ لا يمكن ضبط الإنفاق الإنتخابي الا بضبط موضوع السريّة المصرفية"، مضيفاً: "أنا لست ضد السرية المصرفية بالمطلق ولكن أنا ضد أن تستعمل في الإنتخابات لغايات خاصة وأن تضرب حق كلّ مرشح إذا لم يكن ميسوراً أن يكون مثله مثل أي مرشح آخر تحت سقف القانون"، ويؤكد أنه "لا يمكن لمن يريد العمل في الحقل السياسي أو في الشأن العام أن يطلب أن تكون حساباته سرية بل يجب أن يكون مستعدا في أي لحظة لأن تكون حساباته عامة".
في المقابل، يرى رئيس جمعية "سيدروس" وليد أبو سليمان أن " الفساد ناتج عن الطبقات السياسية التي أنتجت من قوانين إنتخابية ومن الرشاوى المالية فقد تعود الكثيرون شراء الأصوات قبل الإنتخابات وحتى تقديم المساعدات خصوصا عندما يدركون حاجة المواطن".
النيابة تكليف وليست تشريفا!
يعتبر أبو سليمان الآتي من عالم الأعمال الى السياسة أن "النيابة تكليف وليست تشريفا"، لافتا الى أنه "قرر دخول معترك السياسة لولعه بهذا المجال أو بما خص المواضيع التشريعية والقوانين"، مشيراً الى أن "تلك القوانين شاخت وانعكست سلباً على لبنان"، ويقول: "من تجربتي في الخارج وجدت أنني أستطيع أن أساهم بتحديث بعض القوانين التي يمكن أن تنعكس إيجابا على الوضع الإجتماعي والمالي، ولكن لا يمكن أن نتغاضى عن موضوع المال الانتخابي فهو لعب ويلعب دورا كبيراً في العملية الإنتخابية وهذه المشكلة تحلّ عبر القوانين"، ويضيف: "وصولي الى الندوة البرلمانية يكون بأصوات أشخاص ينتخبونني لا بدفع الأموال لشراء الأصوات"، وهنا يرى بارود أن "مشكلتنا الأساسية أن هناك مرشحين كفوئين وليس لديهم مال وبالتالي لا يوجد تكافؤ فرص بينهم وبين مرشح فاسد غير كفوء ولديه مال".
المال الإنتخابي أخطر من الرشوة المباشرة!
الرشوة المباشرة صعب جداً ضبطها لأن الراشي يستفيد بالاصوات والمرتشي يستفيد بالمال يعني "دافنينو سوا" وهي مصلحة مشتركة لدى الاثنين، فمن يستطيع كشفها؟ سؤال يطرحه بارود، معتبراً أن "المخيف أكثر هو المال الإنتخابي الذي يستعمل طوال سنوات قبل الإنتخابات وكم هو عدد الجمعيات الخيرية والمؤسسات ظاهرها خيري وهي في الواقع مؤسسات تحضر للانتخابات"، وهنا يقول أبو سليمان أنه " أسس جمعية سيدروس للعناية بالإنماء الثقافي والتربوي لا لأهداف إنتخابية"، مؤكداً "رفضه لمبدأ الرشوة الإنتخابية المباشرة وغير المباشرة"، مضيفاً: "هناك أمور أخرى مثل تزفيت الطرقات يعتبرها البعض رشوة إنتخابية ولكن أنا أرى أن هذه خدمات يفترض أن تؤمن للمواطن لقاء الضرائب"، ويؤكد أن "الزفت يجب أن يبقى منوطاً بالادارات المختصة لتأهيل الطرقات، ويجب أن يكون نوعاً من التواصل المباشر بين المواطن والوزارات".
التواصل الممكن بين المؤسسات والمواطن هو الحل!
عام 2009 وردت الى وزارة الداخلية شكاوى مختلفة عن دفع أموال إنتخابية حقق فيها، وكانت كلها على سبيل الكلام والمعلومات غير الموثقة، هذا ما يرويه بارود، مشدداً على "ضرورة أن يكون القانون متشددا أكثر على مستوى المال الانتخابي"، معتبراً أن "الحل لعدم خضوع المواطنين للمال الإنتخابي هو بتفعيل المؤسسات حتى لا يضطر المواطن الى طلب خدمة من نائب أو وزير"، وفي هذا الإطار يرى أبو سليمان أن " طموحنا هو بالوصول الى التواصل الممكن في المؤسسات العامة والوزارات وطلب الخدمات بتلك الطرق بدلاً من أن ينتظر المواطن ساعات أمام الأبواب لطلب خدمة هي حق مشروع له وبالتالي يضطر للجوء الى "الواسطة" ليقوم بها وإلا لا يحصل عليها أبدا"، معتبرا أنه "بالتواصل الممكن تسير المعاملات بشكل أوتوماتيكي ودون الإحتكاك بين الموظف والمواطن".
عائدات البلديات من الخليوي رشوة إنتخابية!
المفهوم العام للرشوة الإنتخابية هو بشراء الأصوات أو بتقديم المساعدات الى المواطنين لقاء الحصول على أصواتهم ولكن الجديد هو وصف عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت للأموال التي ستدفع للبلديات من عائدات الخليوي بأنها رشوة إنتخابية. ويلفت فتفت عبر "النشرة" الى أن "تلك الأموال محجوزة بوزارة الإتصالات منذ سنوات واليوم أصبحوا يريدون توزيعها"، متسائلا "الا يعد هذا رشوة إنتخابية؟" ويؤكد أن "هذه الأموال حق للبلديات ولكن المشكلة أن لا قانون يوزعها بشكل صحيح"، مشيراً الى أن "على الأموال أن تذهب الى الخزينة، والخزينة تقوم بمقاصة لتحذف الديون وبعدها توزع الأموال على البلديات"، مشدداً على أن "لا قانون لتوزيع عائدات الخليوي".
في المقابل، يؤكد عضو تكتل "التغيير والإصلاح" النائب آلان عون عبر "النشرة" أن "هذه الأموال هي حق للبلديات، وهناك بلديات فعلا بحاجة إليها، وهي أموال بقيت محجوزة مدة طويلة ونحن عملنا على إخراجها وتوزيعها بالطريقة الصحيحة"، مضيفاً: "إذا كانوا يعتبرون أن إعطاء البلديات حقها هو "رشوة إنتخابية"، فهذه تهمة نحن مستعدون أن نحملها".
ضبط دفع الأموال من مهمة القوى الأمنية!
يرى آلان عون أن "ضبط دفع الأموال يحتاج الى قوى أمنية تسهر على الموضوع"، لافتاً الى أنه "وحتى الحالات التي ضبطت بقيت دون محاسبة"، معتبراً أن "الناخب الذي تعود على أن يقبض ثمن صوته لا يصوت دون مقابل وهذا ما حصل خلال الإنتخابات الفرعية الكورة القاعدة السنية التي لم تقبض لم تصوت"، في المقابل يرفض فتفت إتهام تيار "المستقبل" بأنه يدفع الأموال مقابل التصويت له، لافتاً الى أن "لديه إمكانيات ويقدم مساعدات وليس من اليوم بل منذ مدة وبنفس الوتيرة وهذه ليست رشوة، فمثلا رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري علّم 33 ألف تلميذ على حسابه ولكننا لا نقوم بشراء الأصوات وكل كلام من هذا النوع هو تزوير وغير صحيح".
لتوعية المواطنين على أهمية الخدمة العامة!
محاربة الفساد والرشوة الإنتخابية مدخل أساسي للإصلاح. هذا ما يشير إليه آلان عون، لافتاً الى أننا "نسعى الى محاربة الفساد والرشاوى وتوعية المواطنين على أهمية الخدمة العامة"، مضيفاً :"لكن لا أخفي على أحد أهمية الخدمات الخاصة التي يحتاجها المواطن وأنا بالتالي أسير بشكل مزدوج بين الخدمة العامة وتوعية المواطنين، كما أننا نظمنا أنفسنا خدماتياً لأننا عرفنا أنه ممر إجباري يجب أن نسلكه بالإضافة الى الخدمات الخاصة كنواب"، أما فتفت فيؤكد أن "المسألة الأساسية لضبط الرشوة هي بقانون واضح وهيئة مستقلة تلاحق وتحاسب الناس التي تريد رقابة"، لافتا الى أن "هناك جهات تعرقل الهيئة المستقلة خوفا من أن يصبح قانون الستين نافذا".
الاتفاق على القانون الانتخابي قطع شوطاً كبيراً!
الإجتماعات للوصول الى قانون إنتخاب يرضي الجميع مستمرة وهو حتى اليوم العقدة الأساسية، وهنا يرى آلان عون أن "البداية تبدأ من قانون للإنتخاب يجب أن يكون إصلاحيا"، في المقابل يشدد فتفت على أن "الإنتخابات ستجري حتما ولكن السؤال هو متى؟"، لافتا الى أن "قانون الستين نافذ ولكن لا يمكن إجراء الإنتخابات على أساسه، فكما نقول ان الارثوذوكسي غير ميثاقي كذلك فإن قانون الستين غير ميثاقي لأن هناك فئة من الناس لا تريده"، مؤكدا أننا "نسير بالقانون الإنتخابي المختلط ولكن تكتل "التغيير والإصلاح" هو الذي لا يرضى به"، مضيفا: "أصبحت على يقين أنهم لا يريدون الإنتخابات وجل هدفهم هو السيطرة على البلد وليس القيام بأي إصلاح كان".
من يدري إذا كانت ستجرى الإنتخابات وفي أي وقت؟ أسئلة تقف على عتبة كتل سياسية "متباعدة" عسى أن تتوحد تحت راية حكومة وحدة وطنية تستطيع معالجة الملفات العالقة فتفوت الفرصة على إنهيار البلد وإدخالة في المجهول والفراغ.


















































