"مهازل" بالجملة حفلت بها الساعات القليلة الماضية في وطن قيل عنه أنه "بلد العجائب والغرائب السياسية"، فإذا به يتخطى كلّ "الحدود"، المسموحة منها وغير المسموحة..
مجلس النواب كان الساحة الأساسية لهذه "المهازل"، مجلس بقي "معطّلا" لأشهر طويلة بقرار "ذاتي" من قبل من أعطاهم الشعب "ثقته"، فبات كلّ همّهم أن "يمدّدوا" لأنفسهم، مباشرة عبر قانون يُطبَخ في الكواليس، أو مواربة عبر قانون انتخاب يضمن لهم البقاء في "كراسيهم"..
فجأة، تذكّر هؤلاء "النواب" أنّ عليهم إنجاز قانون انتخابي جديد، تنفيذا لـ"وعد" أطلقوه قبل أربع سنوات، ونسوه أو بالأحرى تناسوه عن سابق تصوّر وتصميم، وفجأة، بدأ هؤلاء "النواب" يخرجون من "جواريرهم" القانون تلو القانون، وهي بمجملها قوانين عبارة عن "خلطات" قد لا تُفسّر، والأهم أنّ درسها بتأنّ لا يمكن أن يتمّ في "ربع الساعة الأخير"..
وأبعد من "مهازل" مجلس النواب، "مهزلة" من نوع آخر كرّسها الخطاب السياسي خلال الساعات الماضية، ولا سيما ذلك الخطاب التوتيري التقسيمي بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، خطاب أخرج "حكيم معراب" عن "صمته"، مهاجما الاعلام الذي ينتقده تارة والعماد ميشال عون تارة أخرى، متحدثا دون تردّد عن "حرب إلغاء" تُشنّ ضد "لقوات" أساسها في الشام والضاحية الجنوبية!
جعجع لعون: فكّ عنّا!
ولأنّ الخطاب المتوتّر كان سيّد الموقف خلال الساعات الماضية، فإنّه تقدّم على "المهازل التشريعية" واستحقّ صدارة الاهتمام المحلي بكلّ تفوّق، خصوصا بعد تراجع "القوات اللبنانية" عن دعمها لقانون الانتخاب الأرثوذكسي وما تسبّب به هذا التراجع من إنهاء لما اصطلح على تسميه بـ"شهر العسل المسيحي"، وإن كان "شهر عسل" نظري لا أكثر.
هكذا، لم تنزل المواقف "العونية" من تراجع "القوات" لا بردا ولا سلاما على الأخيرة، فغمز العماد ميشال عون من قناتها وقوله أنها "نكثت بوعودها" لم يكن ليمرّ مرور الكرام، مثله مثل المواقف التي هبّت من كلّ حدب وصوب على "القوات" واصفة موقفها تارة بـ"الغشمنة المتعمّدة" وطورا بـ"ضرب المسيحيين".
منذ ساعات الصباح، بدت الصورة واضحة بالنسبة لـ"القوات". هناك "مؤامرة" تُشنّ عليها. مكتبها الاعلامي وصفها بـ"الحملة المغرضة" التي سيردّ عليها رئيس الحزب سمير جعجع، وقبل أن يتحدّث الأخير، كان نائب "القوات" أنطوان زهرا يكشف المستور:هي "حرب إلغاء" تشنّ على "القوات" بتكليف "إيراني سوري حزب إلهي"، ولكن "أبالسة الشيطان وابواب الحجيم" لن تقوى على "القوات"، قال زهرا.
وبعد زهرا، كانردّ "الحكيم" في خطاب بدا أنه الأكثر تصعيدا منذ تنظيم حزب "القوات اللبنانية"بعد خروج جعجع من الزنزانة التي أقام فيها أحد عشر عاما. في ردّه، حمل جعجع بشدة على "خصمه اللدود" ميشال عون، وتوجّه إليه مباشرة داعيا إياه لـ"يسكت"، ملوّحا بـ"معركة مفتوحة" معه باعتبار أنّ "زمن الصمت ولّى"، بل ذهب لحدّ القول أنّ الاجتماعات التي عقدها خلال المرحلة الأخيرة مع "التيار الوطني الحر"، والتي كان قد وصفها قبل أربع وعشرين ساعة بـ"الواعدة"، كانت "الخطأ غير الحكيم الوحيد" الذي ارتكبته "القوات" في هذه المرحلة. ومع أنّ جعجع اعتبر عون "مجرّد أداة" في مشروع أكبر منه بكثير، إلا أنه دعاه بصراحة لـ"يفكّ عن المسيحيين" الذين لا يريدون أحدا يطالب بحقوقهم كما يفعل، كما قال.
إلى التمديد دُر..
ومن الخطاب التوتيري الذي استعادته الساحة السياسية في توقيت تبدو فيه بحاجة لأبعد ما يكون عنه، إلى "المهازل التشريعية" التي يحفل بها المجلس النيابي "العاجز" حتى تاريخه عن "التوافق" على إقرار قانون انتخابي عصري، مع تسجيل "مفارقة" تساقط "المشاريع" كالمطر على لجنة التواصل النيابية، بعد أربع سنوات كانت "فارغة" من المشاريع.
هكذا، وفي ربع الساعة الأخير فقط، تذكّر "ممثلو الشعب" مهمة كانوا قد وعدوا ناخبيهم بها، فإذا بهم يُسقِطون المشروع تلو المشروع. فبعد سقوط "الأرثوذكسي" بضربة "المختلط" حتى باتبحاجة إلى "أعجوبة" ليمرّ لا يزال "العونيون" يؤمنون بإمكان حصولهاكما قال وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، بدا أنّ "المختلط" بصيغته الأولية على طريق السقوط أيضا بعد رفض قوى الثامن من آذار له وكذلك حزب "الكتائب"، ليُسحب مشروع قدّمه رئيس المجلس النيابي نبيه بري من التداول أيضا بعد رفض كتلة "المستقبل" السريع له.
وسط هذه "المهازل"، تبدو الأنظار متّجهة نحو "المهزلة الأكبر" والتي باتت بمثابة "الأمر الواقع"، وهي المتعلقة بـ"التمديد" والذي بات واضحة أن "طبخته" باتت "شبه ناضجة" وجاهزة للخروج للعَلَن يوم السبت، كنتيجة حتمية لفشل "ممثلي الشعب" في إقرار قانون انتخابي توافقي جديد. وفي هذا السياق، لفت ما ذكرته صحيفة "الأخبار" عن أنّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري أبلغ النواب أنه لن يعقد جلسة إذا لم يتمّ التوصل إلى قانون توافقي، بل إنه لمّح، أمام أعضاء لجنة التواصل، إلى أنهفي حال الوصول إلى حائط مسدود، سيكون اقتراح التمديد للمجلس النيابي مطروحا على جدول أعمال جلسة السبت.
كلمة أخيرة..
هي "مهازل" بالجملة حفلت بها الساعات الأخيرة، لتثبّت مقولة "العجائب والغرائب السياسية اللبنانية"..
وإذا كان عجز النواب عن إقرار قانون توافقي دون رعاية أو وصاية خارجية بحدّ ذاته مهزلة، مثله مثل خروج المشاريع الانتخابية "العجيبة" وسقوطها على التوالي، فإنّ طريقة سقوط هذه المشاريع مهزلة أكبر، خصوصا حين يعبّر أحد النواب عن رفضه لمشروع معيّن "لأنه يؤدي إلى فوز هذا الفريق بهذا العدد من النواب وذاك الفريق بذاك العدد من النواب"..
القصة لم تعد مخفية إذا، بات كلّ شيء يُلعَب "عالمكشوف"، لدرجة باتت بدعة "الديمقراطية" التي يتغنى بها البعض مجرّد "مهزلة"، باعتبار أنّ القوانين باتت تُفصّل بطريقة تفترض أن تكون نتائجها معروفة سلفا حتى تمرّ..
وتبقى "المهزلة الأكبر" المتمثلة بـ"التمديد" لنواب أثبتوا "فشلهم" و"عجزهم"، نواب لم يقوموا بأبسط مهمّاتهم ولم يتوخّوا سوى البقاء في مقاعدهم، تحت طائلة "الفراغ" الذي يبدو في مكان ما "أهون الشرّين"!























































