عندما تجاهل رئيس "كتلة التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون القانون الإنتخابي المقدّم من قبل الحكومة التي يحظى فيها بعشرة وزراء، وأصرّ على قانون "اللقاء الأرثوذكسي" كان يعلم أنّ الأمور ستؤول في النهاية لمصلحته، أقلّه من الناحية المعنوية. وهو كان يعرف أنّه لو مرّ القانون المذكور وإعتمد للإنتخابات النيابية، فإنّ عدد نوّاب كتلته سيرتفع بشكل ملحوظ، شأنه شأن عدد نوّاب حلفائه في قوى "8 آذار"، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الباب واسعاً أمامه لمنصب الرئاسة. ولو تعرقل القانون من أيّ طرف مسلم، فسيثير ذلك العصبيّة المسيحيّة بوجهه، ولو تعرقل من أيّ طرف مسيحي، سيؤدّي ذلك إلى حسم قسم من الناخبين الذين يصنّفون عادة بالوسطيّين المتردّدين رأيهم لجهة التصويت لصالح لوائح العماد عون، في أيّ قانون إنتخابي آخر، حتى لو كان قانون "الستّين" المغضوب عليه ظاهرياً! في المقابل، عندما جارى رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع خصمه السياسي اللدود، بالموافقة على قانون "اللقاء الأرثوذكسي"، كان يعلم بالفخّ المنصوب له، لكنه مضى قدماً في البداية بهذا الخيار لسببين رئيسين، هما:
أوّلاً: إعتقاده بأنّ قانون "اللقاء الأرثوذكسي" لا يمكن أن يمرّ نتيجة وجود معارضة إسلامية شاملة عليه، من قبل طرفي 8 و14 آذار.
ثانياً: إقتناعه بأنّ قانون "اللقاء الأرثوذكسي"، فيما لو مرّ، يضاعف عدد نوّاب كتلة "القوات اللبنانية" بحسب الإحصاءات الأوّلية التي أجريت، ويمكّنها من إنتخاب مجموعة نوّابها بأصوات مناصريها ومن دون أيّ منّة من أحد. وهو بالتالي قانون جيّد من المنظار السياسي الضيّق.
لكن بعد تراجع "حزب الله" الذي يتصرّف دائماً برؤية إستراتيجيّة بعيدة المدى، عن موقفه المعارض لهذا القانون، وإعلانه الإستعداد للتصويت لصالحه "إن طُرح على التصويت"، وإيعازه إلى "الحلفاء" بعدم المجاهرة بالإعتراض على قانون "اللقاء الأرثوذكسي"، تغيّرت المعادلة، وصارت فرصة مرور القانون دستورياً قائمة، ولو بشكل غير أكيد. وإذا كان صحيحاً أنّ القانون المذكور، يُنصف المسيحيّين، لجهة عدم التاثّر بأصوات أيّ مذهب آخر في أي دائرة إنتخابية، فإنّ الأصحّ أنّ هذا القانون الذي يزيد حصة "القوات" النيابيّة، يؤدّي تلقائياً إلى إضعاف قوى "14 آذار" بشكل كبير، لصالح وصول عدد كبير من النوّاب المؤيّدين لخط "8 آذار"، خاصة من الطائفتين السنّية والدرزيّة. وبالتالي صارت المعادلة الصعبة أمام جعجع هي التالية: زيادة عدد كتلة "القوات" في مقابل خسارة حتميّة لقوى "14 آذار" مجتمعة! وبالتالي، وعلى الرغم من كل العقبات القانونيّة التي كان يمكن أن تُفشل وصول قانون "اللقاء الأرثوذكسي" إلى مرحلة التطبيق، مثل الطعن بميثاقيّته في حال التصويت عليه في ظلّ غياب أكثريّة ساحقة من نوّاب المذهبين السنّي والدرزي، أو مثل عدم تسهيل مروره من قبل كل من رئيسي الجمهورية والحكومة، أو حتى مثل الطعن به دستورياً، فضّل جعجع عدم المخاطرة بإمكان سقوط تحالف قوى "14 آذار" نيابياً، بعد تضعضع ركائز هذا التحالف سياسياً، نتيجة الخلافات في وجهات النظر بشأن قانون الإنتخابات.
إشارة إلى أنّه كان بإمكان رئيس "القوات" الإيعاز إلى عدد من نوّابه بالإنسحاب من جلسة التصويت على القانون المقترح، بحجّة الخروج على قرار القيادة لإعتبارات إنتخابيّة شخصيّة، وإفقاد الجلسة النصاب القانوني، لكن مع الإحتفاظ بماء الوجه. وكان بإمكانه الإشتراط بأن يتضمّن قانون "اللقاء الأرثوذكسي" بنداً يؤكّد إعتماده لأكثر من دورة إنتخابيّة، وهو ما كان سيؤدّي إلى رفض دعمه من قبل مسلمي قوى "8 آذار"، لأنّ لا أحد يضمن بقاء الجزء الأكبر من المسيحيّين مع خيارات هذه القوى في المستقبل، كما هي الحال اليوم بفضل التحالف مع الجنرال عون وتيّاره، باعتبار أنّ الإنتخابات المستقبلية يمكن أن تأتي بنوّاب مسيحيّين بتوجّهات سياسية ربما تكون مغايرة تماماً لتوجّهات نواب "كتلة التغيير و الإصلاح" الحاليّة، والعكس صحيح بطبيعة الحال. لكن جعجع إختار سحب الغطاء الذي يؤمّنه لقانون "اللقاء الأرثوذكسي" بشكل علني ومباشر، مدركاً سلفاً حجم الهجمة الإعلامية الشرسة المعدّة له من قبل خصومه السياسيّين. وهو أراد بخطوته هذه تعزيز موقع "القوات" وشروطها ضمن فريق قوى "14 آذار"، وكذلك تذكير من يعنيهم الأمر بضرورة عدم تجاهل حقوق ومطالب "القوات" ضمن التركيبة السياسية القائمة حالياً، والأهم منع سقوط تحالف هذه القوى، لا من الداخل بفعل الإنقسامات السياسية، ولا من الخارج بفعل الخسارة الحتميّة للأكثرية النيابية في ما لو جرت الإنتخابات وفق قانون "اللقاء الأرثوذكسي".
وفي الختام، وبغض النظر عن أجواء التهم والتهم المضادة السائدة اليوم، كل المعطيات تدلّ – وكما ذكرت في مقالات سابقة - على أنّ الأمور تتجه إلى إرجاء حتمي للإنتخابات النيابيّة، ولفترة تفوق الإعتبارات التقنيّة، قد تبدأ بستة أشهر، ثم تُرجأ من جديد لكون التاريخ المقترح يقع في فصل الشتاء وفي موسم الأعياد! وبالتالي، ما لم يتم إعادة إحياء قانون "الستّين المعدّل" الذي كانت أغلبيّة الجهات السياسية تتسابق على إعلان "وفاته"، لا إنتخابات نيابيّة في المدى المنظور!