طالما لم يتوصّل نواب «الأمم اللبنانية» حتى إلى وضع قانون جديد للانتخابات، هل يجدي نفعاً بعد أن يطرح اللبنانيون على أنفسهم سؤالَ أيّ لبنان يريدون؟ وهل يتوقّف مصير لبنان على جوابهم؟ وهل هم قادرون على إعطاء أجوبة متكاملة تنقذ لبنان في الربع الساعة الأخير، أم قُضِي الأمرُ ودَخل لبنان جاذبيةَ الشرق الأوسط الجديد القائم على تغيير الأنظمة والكيانات وسط سُخطٍ علني وتهليلٍ ضِمني؟
هذا المصير ليس قدراً حتمياً، بل مسارٌ تورّطت به مجموعات لبنانية ـ عن سابق تصور وتصميم ـ فهزت أجمل كيان في الشرق. لكن المؤسف أن غالِبية الطبقة السياسية هي دون مستوى المرحلة التاريخية. وأكثرية الشعب منهمكة بالخبز اليومي بعدما أتعبتها سنوات الحرب والوصاية والاحتلال. أما الدولة اللبنانية، فتحضِّر أوراقَ نعيِها بنفسها وسطَ نَرجسيّـةِ القائمين عليها ونشوتهم ببهرجة المناصب الفانية.
تجاه هذه الحال، بل تجاه الضمير الوطني، لا بد من التذكير بماهـيّـة لبنان ومسارِ تكوينه، علّنا ندرك بأي وطن استثنائي نضحي وبأي قيم عظيمة نغامر.
مــاهـيّـةُ لـبنـان
لبنان هو أولُ بلدٍ يَنشأ فيه تحالفٌ درزي ـ ماروني يتمحور حول مواجهة الاحتلال العثماني وتوحيد الجبل من وادي قاديشا إلى وادي التيم (مفهوم الاستقلال الذاتي). ولبنان هو البلد الشرقُ الأوسطيُّ الوحيد الذي قام على ثنائية مسيحية إسلامية بَنت دولةً ـ وطن لا تتوسع على حساب غيرها ولا تنضم إلى غيرها (مفهوم الهويّـة المميّزة). ولبنان هو من أقدم الكيانات الدستورية الحديثة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى (مفهوم القانون الدولي). ولبنان هو أول دولة تنال استقلالها في عزِّ الحرب العالمية الثانية (الخروج من لعبة الأمم).
ولبنان هو البلد الوحيد الذي ربط وحدة كيانه بالنظام الديمقراطي (مفهوم الدولة الحرة) وبميثاق وطني (مفهوم التعددية الحضارية). ولبنان هو البلد الوحيد في العالم العربي الذي أبقى قوميته مفتوحة على قوميات أخرى كونُ القوميةُ اللبنانية مركبةً (التمييز بين الدولة والقومية).
ولبنان هو البلد الوحيد في العالم العربي الذي قاوم إسرائيل وسوريا وأخرج جيشيهما ذليلين (مفهوم المقاومة الشعبية). ولبنان هو الوطن الوحيد في الشرق الذي تعرَّض كيانه للخطر فحافظ، حتى الآن، على وحدته بينما سقطت كيانات الدول المجاورة ما أن تعرضت أنظمتها للخطر (الوجدان اللبناني أقوى من التقسيم).
ما كان لينشأ لبنان بهذه الصفات والقيم لولا وجودُ مشروعٍ مسيحي تاريخي، وماروني تحديداً، يطمح إلى بناء وطن نموذجي يقدّم قيمة مضافة إلى أساس الحضارات المشرقية والعربية والعالمية. وما كان هذا المشروع المسيحي ليرى النور لولا تجاوبُ المسلمين اللبنانيين التدريجي، ولولا حمايةُ الإمارات الأوروبية إمارةَ الجبل، ولولا دعمُ الدول الغربية نشوءَ دولة لبنان سنةَ 1920 واستقلالَها سنة 1943.
فالمشروعُ المسيحي الرائد والموقفُ الغربي الداعم والتجاوبُ الإسلامي المتنامي شكلوا منذ القرن السادس عشر ـ وتباعاً ـ حتى السنوات الأخيرة، سرَّ وجود لبنان المميّـز في هذا الشرق.
إن المسلم اللبناني يحبّ لبنان مثل المسيحي ولا يفضِّل العيش إلا تحت سمائه. وحين شكَّكت فئاتٌ إسلامية بالكيان اللبناني، تمنيت آنذاك أن تضمَّ سوريا لبنان لأنني كنت واثقاً من أن تلك التجربة سرعان ما ستسقط وتعود الفئات المبهورة بفكرة الوحدة العربية مهرولةً إلى كنف الكيان اللبناني وتعلن ولاءها المطلق للبنان.
وحين كفرَت فئاتٌ مسيحية بالصيغة ورغِبت بالعيش في لبنان مصغَّر لِـما تَعرَّضت له من اضطهادٍ ومجازرَ وتهجيرٍ وقمع في الحروب الأخيرة (1975/2005)، تمنيت يومها أن يحصل التقسيم لأنني كنت واثقاً أيضاً من أن تلك الفئاتِ المسيحيةَ الساخطةَ على الصيغة سرعان ما ستُنهي حال الانقسام وتعود تعانق المسلم. إن بين مسلمي لبنان ومسيحيّه قصةَ "حبٍّ ماروني" تتجدد، ولو رافقها هجر بالقهر أحياناً. إن غِدَدَ اللبنانيين تَفرِز مادةَ الـ "أوسيتوسين" (ocytocine)، وهو هُرْمون الحب.
والحقيقة أن وحدةَ لبنان وُلدت من رَحِمِ خطوط التماس. فحين كان اللبنانيون يتقاتلون ويختلفون على الولاء والهوية ويدفعون ببلدهم نحو التقسيم كانت تولد الوحدةُ اللبنانية، وحين كانت الشعوب العربية تتغـنّى بالوحدة العربية وحكامُها يوهِمونها بأنهم يعملون على تحقيقها، كان التقسيم يولد في العالم العربي والفتنة المذهبية.
لكثرة ما عانى اللبنانيون، كلٌّ في موقعه، من بعضهم البعض، ومن الفلسطيني فالسوري فالإسرائيلي تعلّـقوا بوحدتهم، لكن هذه الوحدة بقيت غنائية. فالوحدة السياسية لا تكون بالعيش على أرض واحدة فقط، بل في ظل دولة واحدة. العيش في الأوطان أصبح أمراً ثانوياً بالنسبة لمفهوم الدولة.
فحين كان العالم قائماً على الحروب والفتوحات والاجتياحات كان الزعيم أو القائد العسكري يمجّد مفهوم الأمة والوطن على حساب مفهوم الإنسان والدولة. أما اليوم، مع بروز القوانين الدولية ومفاهيم الازدهار والرخاء والعلم والتكنولوجيا والثقافة والعولمة، تراجع مفهوم الأمة والوطن لمصلحة الإنسان والدولة.
عقدة «نوميديا»
رغم كل هذه "المحاضر" التاريخية والوجدانية، لا يزال اللبنانيون يعيدون أخطاءهم وكأن عُقدةَ الانحياز إلى الخارج أحدُ مكوّنات نسيجهم النفساني، وهي تُطيح، ككل عقدة نفسانية، بالمصلحة الذاتية الشخصية والعامة، وتخدِّر عقيدة الولاء الوطني. والدليل أن اللبنانيين المصابين بهذه العقدة ـ عُقدة نوميديا ـ لا يشعرون بارتكاب خيانة تجاه الشريك الوطني أو تجاه الوطن.
في القرن الثالث قبل الميلاد ولدت في بلاد المغرب أمّـةٌ بربرية اسمها "نوميديا" بين إمبراطوريتي روما وقرطاجة. ومع أن زعيمي نوميديا، مَسّينِيسا وسِيفاكس، كانا وطنيين ويؤمِنان بالخصوصية البربرية، فقد اختلفا. وبحجة تحقيق حلم الأمة البربرية القوية والكبيرة، انحاز الأول إلى روما والثاني إلى قرطاجة، فخسر الاثنان وسيطرت روما، بعد دحر قرطاجة، على نوميديا وقسّمتها وقضت على حلم الشعب البربري.
إن الوجود الديني المتعدد قائم على أرض لبنان قبل بروز إمارة الجبل، وقبل تأسيس دولة لبنان الكبير، وقبل نيل الاستقلال، وقبل وضع الميثاق الوطني. إنه يعود إلى أواسط القرن السابع، خصوصاً وأن غالبية الأقوام الإسلامية التي وَفَدت لبنان لاجئة أو أوفدتها الخلافةُ الإسلامية لمراقبة البقاع والبحر المتوسط تعود بجذورها إلى المسيحية العربية أو الآسيوية.
وخلافاً لما يظن البعض، إن أول إمارة في جبل لبنان كانت إمارة سنية، لا درزية، مع الأمراء التـنّوخـيّن (1519/763) الذين "تشـيَّعوا" فيما بعد، قبل أن يصبحوا دروزاً لاحقاً، وهم مسيحيون أصلاً (عبثية الحروب الطائفية).
إن لبنان الكبير وسَّع صيغة التعايش جغرافياً وطوائفياً، وأعطاها بعداً وطنياً وبنيةً دستورية ونظاماً ديمقراطياً، فجمع اللبنانيون التراثَ والحداثة في كيان وطني سبق كيانات الشرق وبعض ديمقراطيات الغرب.
فإذ بلبنان الطوائف دستوره غير طائفي، ولبنان المسالم شعبه مقاوم، ولبنان الصغير مستقل بين دولتين مفترستين. انتصر لبنان على كل التحديات لأن إسلامه كان إسلاماً تعايشياً. لكن اختراق الأصوليات الجهادية المتطرفة، المتعددة المذاهب، الإسلامَ اللبناني، يشكل اليومَ تهديداً إضافياً للصيغة.
الصيغة تفقد سحرها
الشعوب عادة تطالب بالوحدة كحل، لكن في لبنان تبدو الوحدةُ تسويةً أو شراً لا بد منه. لبنان 1920 كان لبنان الرهان. لبنان 1943 كان لبنان الحل. لبنان "الطائف" كان لبنان التسوية. وما جرى في ميثاق سنة 1943 ثـبّـت رهان 1920، لكن ما جرى في اتفاق الطائف نقض في بعض وجوهه رهانَ 1920 وحلَّ 1943 (وحدة الدولة، الاستقلال والسيادة، حرمة الشرعية، وحدة القرار، توازن المؤسسات الدستورية، فصل السلطات، آلية الحكم، حصرية الأمن القومي، إلخ.).
فقدَت صيغة الدولة اللبنانية سحرها، ويتعـثّر إنقاذها. بعضنا يدعو إلى الاعتبار من التجارب المريرة ووقفِ التجربة اللبنانية بشكلها الحالي، وبعضنا الآخر يظن أن التجربة صالحة في جوهرها وستستعيد التنفّسَ فور مرور العواصف العربية والإقليمية التي ألزمتها الفراش. لكن من يضمَن عدمَ هبوبِ عواصفَ أخرى؟ أليس هذا الشرق أهمَّ ممرٍّ للعواصف الهوجاء والثورات التائهة؟
إن اللحظة التاريخية تستلزم وِقفةً وطنية جَماعية وتلاوةَ فعلِ إيمانٍ صريح بالكيان اللبناني ووحدة أراضيه وحدوده الدولية ونظامه الديمقراطي وسيادة الدولة داخل أراضيها أولاً.
ما يحدث على الأرض، وما يجري في مجلس النواب، وما يرافق تأليف الحكومة، والتورّط العسكري في سوريا لا يعكس الإيمان الحقيقي بلبنان؛ وكأن الاعترافَ بلبنان وطناً نهائياً لم يكن اعترافاً نهائياً... نسبةُ الاعتراف الحالية لا تكفي لبقاء لبنان موحَّداً. التماثيل الوثنية باقية في غرائزنا، والغريزة في الشرق أقوى من العقل والعاطفة.













































