حيتان المال لا تترك منفعة صغيرة أو كبيرة إلا وتنقضّ عليها. لا تهمهم، على هذا الطريق، الحريات الشخصية أو الأمن المهني أو صحة الناس. هذا ما يرفع قطاع واسع من صيادلة لبنان الصوت به عالياً، ضد اقتراح، يقولون إنه مشبوه، من نقيب الصيادلة. الدواء في لبنان، الذي يعني صحة المواطن، هو اليوم على مشرحة صائدي ملايين الدولارات
وكأنه لا يوجد في لبنان ما يكفي من انكشاف، سياسي وأمني واجتماعي، حتى يجد الصيادلة أنفسهم على عتبة انكشاف طبي ومهني جديد. هذا الكشف، بحسب الصيادلة، يذهب هذه المرة لمصلحة «وحوش أموال الدواء». بدأت القصة عندما قررت نقابة الصيادلة، بشخص رئيسها ربيع حسونة، اقتراح تعديل المادة 23 من قانون تطبيق قواعد التقاعد الصيدلي، لتُضاف إليها العبارة الآتية: «يتوجب على الصيادلة أصحاب الصيدليات أن يعتمدوا نظام معلوماتية موحّداً، يقدمه لهم صندوق التقاعد الصيدلي، ولا يحق لهم استعمال أي نظام حاسوب آخر».
ماذا يعني هذا؟ بكل بساطة، وبحسب كثر من الصيادلة المطلعين، فإنه يؤدي إلى بناء قاعدة معلومات لدى النقابة، تشمل عمليات الشراء والبيع الخاصة بكل صيدلية، مع اسم المريض والطبيب المعالج، وكذلك نوعية الأدوية التي قد لا يرغب المريض كشفها، وهذا «يضعنا أمام خرق واضح للحرية الشخصية التي كفلها الدستور».
أكثر من ذلك، يتخوف الصيادلة، الذين تلقت «الأخبار» اتصالات منهم، من تسرّب المعلومات إلى شركات استيراد الأدوية، التي يمكن أن تستفيد منها لمراقبة حركة الأدوية تجارياً، وهذه «معلومات تُباع عادة بملايين الدولارات، ولهذه المهمة تُجنّد تلك الشركات عادة جيوشاً من المندوبين الذين يجولون على الصيدليات، ولكن إن أتيحت لهم معرفة حركة الدواء بواسطة برنامج النقابة المطروح، فعندها يستغنون عن المندوبين، وفي ذلك كسب مالي ضخم لهم». ويضيف هؤلاء الصيادلة، ومنهم من هو على صلة مباشرة بكواليس النقابة، أنه «بات لدينا شكوك في نية النقابة، أو بعض الأشخاص فيها، ببيع تلك المعلومات لقاء اتفاقيات من تحت الطاولة. ارتيابنا هنا مشروع، وخاصة في ظل عدم الشفافية والوضوح من جهة النقابة، بعدما سار النقيب في اقتراحه بنحو سريّ، من دون أن يُعلم به سائر أعضاء المجلس النقابي».
ويلفت الصيادلة المعترضون، وهم الأكثرية الغالبة، إلى أن مشروع النقابة المقترح بتوحيد نظام المعلوماتية، يُعد «مسألة مستجدة على العمل النقابي؛ إذ لا يحق أصلاً للنقابة إلزام الصيادلة بشيء من هذا القبيل، وإلا نكن أمام نظام قمعي غير مسبوق عالمياً». اللافت أن هذا الاعتراض لم يأخذ طابعاً سياسياً في النقابة، فمع أن النقيب محسوب على تيار المستقبل، فإنه من بين المعترضين صيادلة من تيار المستقبل أيضاً، ومن قوى مختلفة تجمع كلاً من 8 و 14 آذار. فمثلاً، أرسل أمين سر الصندوق في النقابة، علي عبيد، وهو من تيار المستقبل، رسالة هاتفية للصيادلة يُعلن فيها رفضه لاقتراح النقيب. كذلك فعل عضو النقابة علي صفا، وهو محسوب على حزب الله، ومثلهما فعل كل من منسق التيار الوطني الحر جورج سبلي، ومنسق القوات اللبنانية طوني يوسف. إذاً، ما فرقته السياسية جمعته المصلحة المهنية، وهو «الخشية من اقتراح تفوح منه رائحة صفقة فساد مالي، تحمل في طياتها كشفاً للصيادلة وعدم صون للحريات الشخصية، فضلاً عن التوجّس من استفادة إحدى شركات استيراد الأدوية». في هذا الإطار، لفتت مصادر من داخل النقابة إلى أن الجهة التي ستُقدّم برنامج المعلوماتية، هي نقابة مستوردي الأدوية، بشخص رئيسها ارمون فارس، وهذا «يكفي لخلق شكوك، نظراً إلى أنّ نقابة المستوردين تسعى إلى الحصول على داتا حركة الدواء في لبنان بالتفصيل، ما يوفّر عليها ملايين الدولارات كانت تدفعها لموظفين بغية الحصول على 10% من الداتا فقط، فكيف سيكون حال أرباحها في حال حصولها على 100% من الداتا؟». وتلفت المصادر عينها إلى أن شركة «ims» على سبيل المثال، كانت تدفع لقاء معلومة واحدة، عن حركة بيع دواء واحد في لبنان، ما بين 70 إلى 100 ألف دولار أميركي، وهنا «للجميع أن يتخيلوا حجم الأموال التي نخشى كسبها من جراء الصفقات المتوقعة، في ظل وجود 6 آلاف صنف من الدواء، علماً أن شكوكنا تذهب باتجاه أن تلك الأموال لن تعود إلى النقابة، إلى أشخاص معينين يدّعون الحرص على الصيادلة وصحة المواطن ومحاربة الغش». أحد الصيادلة، ممن هم على صلة بشؤون النقابة، يلخص ما يحصل بالقول: «نحن الصيادلة نشعر الآن بأننا سلعة معروضة للبيع، والعجيب أنهم يريدون إلزامنا بهذا الشيء، مع كل ما يحمله هذا من احتمال ابتزاز الصيادلة لاحقاً، أو الضغط عليهم باتجاهات معينة، بعدما تكون النقابة ومن خلفها عرفوا عنها كل شيء... لن نقبل بهذا».
النقيب الغاضب
اتصلت «الأخبار» بنقيب الصيادلة، ربيع حسونة، وسألته عن انتفاضة الصيادلة حيال الاقتراح الذي تقدّم به، فنفى بداية وجود اقتراح كهذا، قبل أن يعود ويصوّب، قائلاً: «هو مجرد اقتراح لتعديل نص القانون، أما المشروع فلم يُطرح بعد. لكن بالمقابل، أسأل المعترضين: هل يمكن أن تُدار الصيدليات من دون وجود كومبيوترات؟ عندما يذهب التفتيش إلى الصيدليات ولا يجد إحصاءات دقيقة، فكيف سنتثبت من عدم وجود حركة دواء مغشوش يباع، أو تلاعب بالأسعار؟». حسناً، من قال أصلاً إن من يبيع الأدوية المغشوشة سيضيفها إلى كومبيوتره أو حساباته الورقية؟ يجيب النقيب: «هذا صحيح، لكن لا بد لنا من آلية ضبط»! في المقابل، يتهم حسونة الصيادلة الذي يثيرون هذه الضجة بما يتهمونه هم به؛ إذ يقول: «هؤلاء لديهم ارتباطات مع شركات إحصائية، يريدون إعطاءها وحدها داتا حركة الدواء، وبعضهم لديهم برامج خاصة على أجهزة الكومبيوتر من قبل تلك الشركات. وبالمناسبة، قبل أيام ادّعت شركة على أحد الصيادلة، فاقتيد إلى التحقيق وكاد يُسجن لولا تدخلنا... على كل حال، أنا من سيلاحق هؤلاء، ولن أسكت لهم، وسأقاضيهم وأكشفهم».













































