لم تنجح كافة سيناريوهات الإتفاق على قانون انتخابي جديد يضمن صحة التمثيل لكافة الاطياف اللبنانية. ذلك بحد ذاته يعتبر إقرارا بأن القوانين التي اعتمدت لا سيما قانون الستين لم تكن تعكس التمثيل الصحيح لأي من هذه المكونات ، فكل مكون يدعي أنه غير ممثل بشكل كامل وحقيقي في المجلس النيابي وما يستتبع ذلك من تمثيل في الإدارات والوزارات بل ويعتبر ان التمثيل يلامس حد الحرمان.
ما كشفته اجتماعات لجنة التواصل المستحدثة والتي تنم أيضاً عن عدم التواصل منذ فترة بعيدة بين المتواصلين لـ"مصلحة الشعب اللبناني"، هو أن كل الطرقات المؤدية الى الحد الأدنى من التوافق غير متوفرة حالياً، غير أن الإيجابية الوحيدة التي ظهرت ربما هي أن اطرافاً خرجت من الإجتماعات "محبطة" لدرجة أنها رأت لأول مرة أن الإنقسام في البلد بات "عامودياً" وهو ما أرادت توضيحه للشعب الذي بلغته هذه الحقيقة قبل سعادة النواب بزمن بعيد.
لم يشعر أي طرف لوحده بهذا الإحباط بل كان شعور الجميع الى درجة أن بعض المتواصلين عبر عن أنه لمس أن لا وجود لأية قاعدة يمكن الإستناد عليها في بعث أي قانون انتخاب جديد يمكن الإتفاق عليه ويكون مقدمة لتأسيس البلد على أسس صلبة، ما يعيد الى الأذهان ضرورة إعادة النظر بالإتفاق الأم الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية والذي اصطلح على تسميته باتفاق الطائف بحسب المكان الذي ولد فيه، في حين أن مراجعاً كثرا ألمحوا الى انه بات من الواجب ولوج مرحلة الحوار في العمق ربما لتدوير الزوايا مرة أخرى، لكن ما حصل في الأسابيع والأيام القليلة الماضية يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن تلك الزوايا ما عادت موجودة لكثرة حكها وصار لزاماً على كل المعنيين سياسيين واحزاب ومجتمع مدني أن يبادروا الى مؤتمر حوار شامل ربما يكون أشمل مما تتم الدعوة اليه في سوريا لوضع عقد جديد بين اللبنانيين يعيد انتاج النظام والدولة وفق دستور واضح المباني والمعاني.
وفي هذا السياق فإن جميع الأطراف تعلم علم اليقين أن الأمور في لبنان قد بلغت هذا المستوى من الحاجة الى التغيير لأن كل شيئ قد تغير بطبيعته، لكن بقيت المرجعيات المعنية متمسكة بما حققه بعض السياسيين في مؤتمر الحوار الوطني في الطائف الذي جاء وفق الضرورة التي أملتها ظروف المرحلة التي انتج فيها، كذلك حيال ما يتم العمل به حالياً والمرتكز الى ما يعرف باتفاق الدوحة الذي أعقب 7 أيار 2008 والذي بات في خبر كان بعد جملة التطورات التي عصفت بلبنان والمنطقة من ناحية، وبعد اضطلاع المملكة العربية السعودية من جديد بدور كانت قد غابت عنه في لبنان في السنوات الأخيرة من ناحية ثانية، وتحديداً منذ اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وفشل ولده (سعد) الذريع في إدارة الحياة السياسية اللبنانية وما يعنيه ذلك من فشل في التموضع إقليمياً وعربياً.
إلا أن السباق قد بدأ فعلاً بحسب سياسيين مرموقين في اللعبة الداخلية، بين الذهاب الى اتفاق قبل السقوط في "حفرة النار" أو أنها ستكون ممراً إجبارياً لولوجه؟.. هذا هو السؤال الذي يرتسم حالياً مع الأخذ بعين الإعتبار أن القوى الداخلية ليست مهيأة جميعها لـ"الإحتراب" لأسباب عدة منها عدم وجود تكافؤ بينها او ربما لانها ليست مستعدة بعد، في حين أن عملية إعدادها لن تكون صعبة في ظل الوضع المجهري الذي وضع تحته لبنان على ضوء ما يجري في سورية وما بات عليه الوضع فيه بفعل أزمة النازحين أو حتى في إطار الرؤى الإستراتيجية التي وضعت بدورها على الطاولة لدى أفرقاء الصراع في المنطقة وما يريدونه من تغييرات يمكن أن تطرأ على هذه البقعة أو تلك من المنطقة.
ما تم بحثه في مجلس النواب أو في إطار لجنة التواصل هو هذا فعلاً، الامر الذي منع الاطراف من الإتفاق ففي حين اصر البعض على ضرورة الذهاب الى اتفاق على قانون انتخابي بعيداً عن التجاذبات الإقليمية اصر آخرون على أنه لا يمكن فك الإرتباط بين ما يجري في المنطقة ومن حولنا وما يمكن أن نكون عليه في المستقبل القريب حيث يجب مراعاة تكوين الدولة في ظل المتغيرات التي تجري.
ما طلبه أصحاب نظرية "النأي بالنفس" لا ينطلق في واقع الحال مما تعبر عنه تلك النظرية خاصة وأنه ثبت بالدليل القاطع تورطهم في الأزمات القائمة في المنطقة ليس من خلال الأزمة السورية فقط، وإنما منذ حرب "إسرائيل" على لبنان في الـ 2006 بهدف ضرب المقاومة التي تشكل جزءً أساسياً من مكونات هذا البلد. ما يعني أن هؤلاء كان هدفهم القضاء على مكون من مكونات بلدهم وقد باعوا روحهم للشيطان من أجل القضاء عليه لكنهم لم يفلحوا. وهم يكررون المحاولة الآن عبر إيهام أنفسهم ربما والشعب اللبناني بأن الناي بالنفس هو الشعار الذي يستطيع عبور المآزق لكن ذلك قد يكون خطأ مميتاً هذه المرة.
إلا أن الفريق الآخر لا ينطلق في الواقع في رؤيته للأمور من مقولة "الإرتباط" بأزمات المنطقة عندما يقول إنه يجب النظر الى ما يجري في المحيطين القريب والبعيد، وإنما من اعتبار انه آن الآوان لإعادة إنتاج الدولة وفق ما تم إنجازه حتى الآن بعد أن حاول منح الإنجازات والإنتصارات الى كل الأطراف اللبنانية لاستثمارها في صياغة بلد بعيد عن الإرتهان للخارج والاستغلال فيما يخدم مشاريع المنطقة في مواجهة أطراف بعينها أو محور بعينه، وذلك عبر الإرتكاز الى القوة الذاتية من دون أن يعني ذلك دفعها الى مناصرة محور دون آخر بل على الاقل عدم الإنتصار لفريق بفريق وهو ما لم يفهمه أحد.
منذ تسلم "فؤاد بن سنيورة" لمقاليد الحكومة في لبنان بعد "رفيق بن بهاء" وانتقالها لـ "سعد بن رفيق"، عملت الدولة في لبنان على استعداء كل من لم يكن في صف "أمراء" السلطة، في حين أنه لم يكن مطلوباً اكثر من تجنب تلك الحالة التي أوصلت الأمور الى ما هي عليه اليوم، الوقت الذي لم يعد ينفع فيه ما كان صالحاً في ذلك الزمن.
لقد بات البلد أمام أزمة مفتوحة وتمديداً حتمياً للمجلس النيابي، سمي تقنياً أم غير ذلك، ما يعني أن لا حكومة في الأفق سوى حكومة تصريف أعمال أصلية، وفي أحسن الأحوال حكومة تصريف أعمال بديلة.. إفساحاً في المجال أمام توافق من هنا أو من هناك.. من داخل لبنان أو من خارجه.. الأمور مرهونة بإشاراتها الميدانية.
















































