اختيار المرشحين أصعب في الرابية مما هو عليه في الصالونات السياسية الأخرى: ينظر الجنرال في أمر 78 مقعداً نيابياً، مفاضلاً بين نحو 250 «مشروع مرشح». يتكل العماد ميشال عون على حدسه الشخصيّ لتشكيل لوائحه من أربع مجموعات: ناشطون في التيار، نافذون مناطقياً وعائلياً، أصدقاؤه الشخصيون، ومجموعة رابعة فيها من كل واد انتخابي عصا
إعلان
لا يكمل زائر الرابية قوله إن الانتخابات على الأبواب، حتى يقاطعه رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون قائلاً: «روح اشتغل. وإذا أثبتّ نفسك، مكانك ع لوائحنا محجوز». يخرج الزائر «مفوخراً»، يرى صوره على أعمدة الكهرباء. وعلى غرار تيار المستقبل وحركة أمل وغيرهما، أتاح ضم الجنرال جيلبرت زوين وفادي الأعور ونبيل نقولا وطوني الزغبي وجوزف شهدا لكثيرين التساؤل المشروع عمّا يميز هؤلاء «حتى نكون مجرد عتّالين في معاركهم الانتخابية».
جرّب الوزير فادي عبود الوزارة مرتين متتاليتين، لكنها لم ترقَ في حساباته إلى مرتبة النيابة. الوزير يمثل الزعيم، والنائب يمثل الشعب. النيابة تشير إلى حجم الإعجاب الشعبي بمعالي الوزير. يفترض بعبود أن يكون نائباً. النائب السابق إميل إميل لحود يعتقد ذلك أيضاً، وعدة شبان آخرين مثل طانيوس حبيقة وجان أبو جودة، إلى جانب النواب العونيين إبراهيم كنعان وسليم سلهب ونبيل نقولا الذين يعتبرون أنهم أنجزوا ما يستحق تجديد المبايعة الشعبية لهم، ليس مرة إضافية أو مرتين، بل مرات. ماذا يقول العماد عون لأحد الحالمين بلوحة زرقاء حين يدخل عليه ويقول له: «جنرال، بدي صير نايب»؟. ماذا يملك أن يقول له غير، بعد تربيت كتفه: «روح اشتغل». لعله يقصد «روح شوف شغلك». لكن الشباب يفهمونها ضوءاً أخضر.
ثلاثة عونيين كاثوليكيين يتنافسون في المتن الشمالي: لا يزال شارل جزرا يحلّ أوّل في كل الاستطلاعات، رغم الدعم العوني للمرشح إدي معلوف الذي جيّرت الرابية له تمثيل الجنرال في غالبية الاحتفالات. أما المرشح الثالث جورج عبود، فيسابق الوقت قبيل الانتخابات، نافضاً الغبار عن علاقاته وعلاقات والده الاجتماعية والسياسية، مستفيداً من ضخامة بلدته (الضبية) في صناديق الاقتراع وتأييد غالبية فاعلياتها العونية وغير العونية له. قد لا يملك أحد من هؤلاء، في المتن أو في جبيل أو في كسروان التي يتجاوز عديد عونييها المتزاحمين على أربعة مقاعد الاثني عشر، جزءاً يسيراً من «بروفايل» النائب، سواء السياسي أو التشريعي أو الخدماتي ولا يتمتع بحيثية عائلية أو مالية أو نفوذ حزبي. إلا أن عون لن يرش عليه المياه الباردة ويحطم طموحه، فينتقل من معجب به إلى حاقد عليه.
توفر استراتيجية «روح اشتغل» ديناميكية في صفوف التيار، وسباقاً بين المرشحين العونيين على الخدمة العامة، فتغدق التبرعات على هيئات التيار المناطقية، ولا يعود بعض الناشطين مضطرين إلى سؤال أمهاتهم عما سيطبخن لهم اليوم لكثافة الدعوات اليومية إلى الغداء. كما تؤمن هذه الاستراتيجية «سبونسر» لمن يدّعون النفوذ في الرابية. إلا أنها، من جهة أخرى، لا تخلو من الآثار السلبية أيضاً. ففي الكورة، تجاهل المرشحون عام 2009 «إذا» الشرطية في عبارة الجنرال، وصدّقوا أمر ترشحهم، فكان رد فعلهم عنيفاً إثر اختيار عون من بيّنت «إحصاءات» الرابية إثباته نفسه أكثر منهم. وفي الأشرفية وعكار والمتن، وجبيل وجزين نسبياً، يتسبب السباق بخلافات عونية ــــ عونية عبثية، بدل صب العونيين جهدهم لمواجهة خصومهم.
ينظر العماد عون، عشية كل انتخابات، في أمر 64 مقعداً مسيحياً (بما فيها المقاعد المسيحية الثلاثة في دائرة بيروت الثالثة ومقعد بعلبك ــــ الهرمل الكاثوليكي ومقعدا بشري المارونيان ومقاعد زغرتا المارونية الثلاثة)، إضافة إلى مقاعد عكار السنية الثلاثة ومقعدها العلويّ، مقعد جبيل الشيعي، ومقعدي بعبدا الشيعيين ومقعدها الدرزي، ومقعدي زحلة الشيعي والسني، ومقاعد الشوف السنية والدرزية الأربعة. يحتكر تسمية المرشحين عن غالبية هذه المقاعد، يشارك في التسمية في أخرى، وله حق الفيتو أو تفضيل مرشح على آخر في بعضها، ولا حول له ولا قوة في بعضها الآخر، كمقاعد زغرتا مثلاً. ورغم إنشاء عون، منذ نحو عام، لجنة خاصة بالانتخابات تدرس خيارات التيار في كل المناطق وتجمع المعلومات عن بعض المرشحين، فإن دورها تراجع أخيراً إلى حدود التوقف عن العمل. أما مراكز الدراسات، فيتكل عون، رغم كثرتها، على أحدها فقط لتبين أوضاع المرشحين في مختلف الدوائر. ويستفيد فعلياً منها للتخلص من ثلث المرشحين. أما الثلث الثاني، فيختار منه لوائحه، متكلاً على رأيه الشخصي بالمرشح و«الكيميا» بينهما، تواضع حيثيته الشعبية بحيث لا يظن نفسه مفضلاً على اللائحة العونية بفوزها، وقدراته المالية، فلا يدفع عون بلائحة إلى المعترك الانتخابي من دون أن يكون فيها ميسور واحد على الأقل يتكفل بغالبية نفقاتها.
والنظر إلى تكتل التغيير والإصلاح اليوم، يقول أحد النواب العونيين، يبين كيفية اختيار الجنرال نوابه. ففي كل دائرة، ثمة نائب ينتمي إلى التيار الوطني الحر: في جبيل سيمون أبي رميا. في كسروان العماد ميشال عون. في المتن ابراهيم كنعان. في جزين زياد أسود. وفي بعبدا، حيث كان التيار مطمئناً إلى نتيجة الانتخابات، سمى عون تياريين اثنين هما آلان عون وحكمت ديب. وفي زحلة وعاليه والشوف والكورة، ضمت اللوائح العونية كلاً من المرشحين العونيين الخاسرين سليم عون وسيزار أبي خليل وماريو عون وجورج عطا الله. واختيار عون هؤلاء دون غيرهم له مبرراته في ما يخص الأقدمية وتقدمهم صفوف النشاط العوني في مراحل مختلفة. وتجدر الإشارة إلى أن الجمود الحزبي العوني يبقي، مع الأسف، الوجوه العونية نفسها التي برزت قبل عام 2005، بدل تخريج التيار ناشطين جدداً يمكن أن يزاحموا هؤلاء على مقاعدهم في الانتخابات المقبلة.
أما الثلث الثالث من نواب التكتل، فيتألف من أفراد مستقلين (غير حزبيين) يرى الجنرال أنهم يضيفون اجتماعياً وعائلياً إلى قيمة التيار الوطني الحر الناخبة. وغالبية هؤلاء ممن يصعب إيجاد مآخذ سلبية على سيرهم السياسية، أطباء: وليد الخوري في جبيل، يوسف الخليل في كسروان، سليم سلهب في المتن، والمرشح الخاسر في عاليه طوني الزغبي، إضافة إلى النائب غسان مخيبر الذي يمكن إدراجه ضمن هذه الفئة. ولا شكّ أن مزاحمة هؤلاء صعبة، فلا يمكن بين المتهافتين للترشح على اللوائح العونية إيجاد جبيلي يملك اجتماعياً وعائلياً أكثر مما يملكه الخوري، أو كسروانيّ يقارن بالخليل أو متني أقوى اجتماعياً ومناطقياً من سلهب.
بينما يمكن ضم النائب ناجي غاريوس إلى الفريق الأول بوصفه ناشطاً في التيار منذ نشأته، والفريق الثاني بوصفه من أقدم الأطباء في بعبدا، والفريق الثالث الذي يتألف عموماً من أصدقاء الجنرال الشخصيين بوصفه وزوجته من أقرب المقربين منه. وتضم المجموعة الثالثة، إلى جانب غاريوس، النائبين إدغار معلوف من المتن وفريد الياس الخازن من كسروان والمرشحين الخاسرين ناصيف قزي في الشوف وعصام أبو جمرة في الأشرفية اللذين فض الجنرال صداقته معهما.
وتبقى في التكتل مجموعة نواب ممن لا يمكن مصدراً عونيّاً تحديد مبرر الجنرال الرئيسي لاختيارهم، مثل عباس الهاشم في جبيل وجيلبرت زوين ونعمة الله أبي نصر في كسروان، وعصام صوايا وميشال الحلو في جزين. وفي ظل ربط البعض تبنّي بعض الأسماء بثرواتها، وأخرى بحيثيتها الصغيرة، يبدو هؤلاء الأقرب إلى التغيير في حال رغب الجنرال بتطعيم لوائحه بأسماء جديدة. فيحل جوان حبيش محل أبي نصر مثلاً، وروجيه عازار محل زوين، وجان أبو جودة محل نقولا، وأمل أبو زيد محل الحلو.
واللافت في التجربة العونية ترك الجنرال المرشحين، سواء معه أو ضده، «لا معلقين ولا مطلقين» حتى اليوم الأخير في مهلة سحب الترشيحات، رغم جهوزية لوائحه في جيبه قبل أشهر من موعد الانتخابات. ويشل بذلك قدرة خصومه على تشكيل لوائحهم أطول مدة ممكنة، ويعطل قدرة بعض المرشحين على الإضرار بلوائحه في حال اكتشفوا مبكراً نواياه لاستبعادهم. وقد أكد عون في استحقاقين سابقين أنه الأذكى بين الأفرقاء السياسيين في تشكيل اللوائح. فإلى جانب اختياره الأقوى داخل التيار، من دون التوقف عند الحسابات الداخلية والحساسيات المتنوعة (أسود وعون وأبي رميا نماذج )، يتبنى الأهنأ بين التقليديين الوازنين شعبياً (الخليل وسلهب نموذجين) والأقل تربيحاً للتيار بجميل أموالهم (زوين والوزير نقولا الصحناوي).