عادت الاحداث السورية لتتصدر واجهة الاهتمام اللبناني الرسمي والشعبي ولتطغى على مجريات جلسات التواصل النيابية التي توفيت ودفنت السبت الماضي، وليس اصدق تعبيراً عن الطريق المسدود الا رفع الجلسة الثامنة امس من دون الافصاح عن نتائج ما توصلت اليه وعدم تحديد موعد جديد لجلسات التواصل او الجلسة العامة للتصويت على قانون 14 آذار المختلط او قانون 8 آذار الارثوذكسي. الغوص اللبناني في الأزمة السورية بلغ ذروته وصار جلياً حجم التدخل الميداني من خلال سقوط عدد كبير من الضحايا من الطائفتين الشيعية والعلوية والسنية من الجنوب والضاحية الى البقاع والشمال وطرابلس وبعض المخيمات الفلسطينية على طول الاراضي اللبنانية. دعوات الجهاد والتعبئة العلنية لها حررت كلاً من مؤيدي النظام السوري في لبنان حزب الله والمناوئة له القوى السلفية من عبء المداراة او التكتم عن مدى المشاركة الميدانية، واذا كان حزب الله قد اعلن اسماء اول 12 ضحية سقطت في اليوم الاول لـ"تحرير القصير" فإن عدداً كبيراً آخر سيتم الاعلان عنه تباعاً في اليومين المقبلين حيث تقاطعت معلومات من اكثر من مصدر قريب من حزب الله عن سقوط 40 ضحية حتى الآن وتردد ان عشراً منهم كانوا سقطوا في تلة مندو قبل اسابيع ولم يعلن عنهم ولم يبلغ ذووهم بالامر الا ان مصادر اخرى تدور في فلك الحزب ان عدد ضحاياه الذين سقطوا منذ الازمة حتى اليوم بلغ 50 باستثناء ضحايا الايام الثلاثة الماضية. في المقلب الآخر تشير مصادر طرابلسية الى سقوط 22 ضحية من الشمال ويتوزعون على اكثر من منطقة وتؤكد ان معظم الذين سقطوا كانوا في عداد مجموعة لـ"جبهة النصرة" تم القضاء عليها عبر محاصرتها في احد الانفاق الموصلة الى بلدية القصير ومن ثم استهدافها بالقصف الجوي. وتتردد انباء في الاوساط الطرابلسية ان جثامين الضحايا اسيرة لدى القوات النظامية السورية وتتخوف من تكرار حادثة تلكلخ والمفاوضات المضنية التي حصلت للافراج عن الجثث. في المقابل تربط مصادر متابعة للتطورات الامنية المتسارعة في طرابلس بين التقدم الواسع لقوى النظام السوري مدعومة بعناصر من حزب الله على جبهة القصير وبين محاولة التعويض التي تقوم بها المجموعات السلفية عبر الثأر من جبل محسن واستهداف الجيش اللبناني وعناصره وآلياته بسبب وقوفه سداً منيعاً امام انفلات الاوضاع وتحولها الى حرب ترانسفير مذهبية او تهجيرية ضد العلويين وجبل محسن، وتلمح هذه المصادر الى تكرار محاولة بعض المجموعات السلفية اقتحام الجبل من محاور عدة ليل امس الاول الا ان تصدي الجيش كان ناجحاً في منع كارثة حقيقية.
قرار الاقتحام الواسع لريف القصير ومدينته يأتي بعد اسابيع من الحصار وتطويق محكم لقطع طرق الامداد على المسلحين المعارضين فيهما الذين رفضوا الاستسلام او القاء السلاح وقرروا المواجهة حتى النهاية وهو ما يفسره سقوط العديد من القتلى في الساعات الاولى للاقتحام بسبب الكثافة النارية، وتعدد محاور المهاجمين الذين اتوا باعداد كبيرة والذين سقط منهم كثيرون ايضاً. ووفق مصادر ميدانية فإن مقاتلي "حزب الله" نالوا حصة وافرة منها بسبب الالغام الشركية التي امتلأت فيها حتى الجدران والجثث والجيف على غرار الاسلوب الذي اعتمده تنظيم فتح الاسلام ضد ضباط وعناصر الجيش اللبناني في نهر البارد.
الاشتباكات القريبة والشرسة بين الطرفين رفعت اعداد الضحايا ورغم ان المصادر الميدانية تتوقع مزيداً من عمليات الكر والفر الا انها تشير الى تقدم ملحوظ لقوات النظام السوري على 4 محاور الاول القصير وريفه وريف دمشق وفي ادلب وادي الضيف وفي حلب الاسكان ومعمل الاسمنت لكن هذا التقدم ورغم انه يساعد في كسب القوى النظامية نقاطاً استراتيجية واساسية ويقطع طرق الامداد على المسلحين من اكثر من اتجاه فانها تتوقع ان تعنف الاشتباكات والالتحامات كلما زاد اصرار الجانبين على كسب مزيد من النقاط لاستثمارها في اي مفاوضات للحل او للتسوية المقبلة.
"حزب الله" الشريك في الربح والخسارة ضمن محور "الممانعة والمقاومة" الذي تقوده ايران وتدعمه روسيا تلقى دعماً روسياً واضحاً واشبه بضوء اخضر لدى زيارة ميخائيل بوغدانوف مبعوث الرئيس فلاديمير بوتين الاخيرة الى لبنان فلم يشر الرجل الى اي طلب من الامين العام للحزب السيد نصرالله بضرورة سحب مقاتليه من جبهتي القصير او السيدة زينب بل اخبره ان الضغط الميداني والحسم السريع يقنع الاميركيين بعد قمة اوباما- بوتين مطلع الشهر المقبل بتقريب امد مفاوضات الوضع النهائي بين النظام ومستقبله وترتيبات سورية المستقبلية.
القصير أول تجليات نزيف الدم اللبناني على الاراضي السورية، وعلى قاعدة الحياة والموت لا احد يعود يأبه من يسقط منه اكثر.




















































