لا يرى وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل، حين ينظر في المرآة، غير «سوبرمان». وحين يضع نظارتيه ويرتدي بذلته الرسمية، يسأل مستشاره الإعلامي الودود ميشال كرم بثقة: بحياة شبابك، ألا أشبه نبيل؟ وعلى غرار «سوبرمان»، يبحث شربل عن الأرقام القياسية، ليس لتحطيمها فحسب، إنما ليطحبشها: لا يكاد ينهي تحدياً خيالياً ككبح جماح الشيخ أحمد الأسير، مثلاً، أو إقناع آل المقداد بزرع غضبهم في لحيته، حتى ينتقل إلى آخر. آخرها إجراء الانتخابات في موعدها.
فعلياً، يكاد لا يوجد طرف سياسي يود حصول هذه الانتخابات في موعدها، خصوصاً وفقاً لقانون «الستين»: حزب الله وحركة أمل منشغلان ميدانياً بالتطورات العسكرية السورية عن كل ما يمكن صناديق الاقتراع أن تحمله من مفاجآت، ويبحثان عمّا يهدئ الساحة الداخلية بدل توتيرها بالخناق الانتخابي والتعبئة العبثية. تيار المستقبل يفترض أن قانون «الستين» لا يفضي» في أفضل حالات قوى 14 آذار» إلا إلى إعادة إنتاج المشهد النيابي نفسه القائم اليوم، بما يستتبعه من حسابات حكومية وتحالفات سياسية يكون النائب وليد جنبلاط بيضة قبّانها. ويعلم المستقبل أن نزهته في صيدا وعكار والمنية وطرابلس، في ظل تفريخ الأحياء أمراء يفترضون أنفسهم أول البعث وآخره، لن تكون ريفية. كما يعلم أن طائرات المهاجرين لعبت دوراً رئيسياً في فوزه عام 2009 في دوائر البقاع الغربي ــــ راشيا والأشرفية والكورة وتحسين ظروف المعركة في زغرتا. لكن تجهيز الطائرات بمسافريها إلى هذه الدوائر لن يكون مهمة سهلة في ظل الشلل التنظيمي المستقبلي. أما جنبلاط، فيدرك الوضع السيئ للقوات اللبنانية مقارنة بتفوق التيار الوطني الحر المستجد في غالبية الدوائر الحساسة أكثر مما تدرك ذلك القوات نفسها، لذا يأمل تأجيل الانتخابات ستة أشهر أقله ريثما يهدأ التسونامي البرتقالي المتجدد الذي يهدد بانتزاع بعض مقاعد الأشرفية والكورة من قوى 14 آذار. لكن حال جنبلاط من حال غالبية القوى السياسية؛ لا يريد، حتى الآن، أن يكون هو المبادر بالدعوة الى تأجيل الانتخابات عبر التمديد للمجلس الحالي. وبدل أن يتفهم معاليه أزمة الفرقاء ويعلن استعصاء إجراء الانتخابات في موعدها؛ يحرجهم بتشديده اليومي على جهوزية «داخليته» لإجراء الانتخابات.
يفترض شربل ومن ينظّرون عن حتمية حصول الانتخابات في موعدها أن مجلس وزراء تصريف الأعمال سيجتمع اليوم قبل غد ليقر صرف الاعتماد لوزارة الداخلية لإجراء الانتخابات. وسيحلّ المجلس نفسه عقدة هيئة الإشراف على الانتخابات. ويتبع ذلك، في حسابات الوزير دائماً، انعقاد الهيئة العامة في المجلس النيابي لإقرار آلية اقتراع المغتربين، أو تعديل قانون الانتخاب لحرمان الناخبين المسجلين في سفارات بلدهم من الانتخاب. و«الانتخابات في موعدها» تحول دون فتح باب النقاش في تعديل بعض الدوائر، خصوصاً عكار كما يرغب التيار الوطني الحر، أو زحلة كما يأمل الوزير السابق الياس سكاف وتشتهي القوات اللبنانية لتبين قدرتها على إلحاق خسارة به من دون أصوات تيار المستقبل.
بعد ذلك، ضمن الشهر نفسه الذي يتحدث القانون والوزير عنه، سيكون «سوبرمان» قادراً على ضمان أمن ستة آلاف قلم اقتراع، بما في ذلك أقلام الاقتراع الواقعة لسوء حظها في عكار وعرسال وباب التبانة، وعلى تخوم القصير. وسيجرد الوزير صناديق الاقتراع الستة آلاف ليتأكد من سلامتها، واستبدال ما تستوجب صدقية الانتخابات استبداله. وستصحح «الداخلية» لوائح الشطب. وسيفحص الوزير أيضاً، من دون شك، إقفال هذه الصناديق بعد أن يجد مفاتيحها. وسيفحص ستة آلاف كاميرا تصوير، يتأكد من أنها جميعها «شغالة». وسيراسل معاليه الإدارات العامة، لترسل له أسماء الموظفين ليختار أكثر من إثني عشر ألف موظف يفترض بهم لعب دوري رئيسي القلم والصندوق، وسيدربهم خلال هذا الوقت القصير. ولأن شربل يعد بعدم نوم الموظفين من تاريخ الاتفاق على إجراء الانتخابات في موعدها وحتى موعدها، سيكون قادراً على طباعة ورق المحاضر ولوائح الشطب واستيراد الحبر بعد إعداد دفاتر الشروط لهذه جميعها واستدراج العروض وفضها.
وفي حال أفضت حسابات القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات في موعدها، وإثبات وزير الداخلية مرة أخرى أنه الرجل الخارق الذي طال بحث اللبنانيين عنه، سيتعين على القوى السياسية اختيار مرشحيها النهائيين خلال أسبوع واحد: هذا الأمر فعله عون اثر عودته إلى لبنان عام 2005 في 7 أيار وخوضه الانتخابات في غالبية الأقضية بعد شهر واحد، لكن يصعب على تيار المستقبل فعله لوجود رئيسه النائب سعد الحريري في المنفى الطوعي وخفوت وهج أمينه العام أحمد الحريري وتواضع قدرات تيار المستقبل المالية مقارنة بمغتربين عادوا من أوستراليا وكندا إلى المنية وعكار والبقاع الغربي وفي نيتهم هدف واحد: ملء صالونات قصورهم وباحاتها بالمواطنين. وخلال الأسبوع التالي، سترسو التحالفات التي لم تجد منذ عامين في كسروان، مثلاً، براً ترسو عليه جراء تنازع النائب السابق منصور البون ورئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام على دفتها. وستحل عقدة قوى 8 آذار في زحلة، ويقرر الرئيس نجيب ميقاتي ما ينوي طرابلسياً فعله، ويستقبل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع النائب بطرس حرب، ويحسم الرئيس أمين الجميل إن كان سيكتفي بصدقات تيار المستقبل النيابية على حزب الكتائب أم يسترجع لقب «العنيد». وخلال الأسبوع الأخير سيضطر جعجع إلى مغادرة معراب بعد طول انتظار ليقطف الزهور من الأشرفية والكورة والبترون وغيرها من الدوائر التي يحتاج فريقه السياسي حضوره الشخصي إليها لاستنهاض ناخبيها، فيما يزور العماد عون في اليوم الأول من ذلك الأسبوع جزين وبسكنتا وتنورين وفي اليوم التالي الحدت والجديدة وشبطين وفي الثالث التحويطة وجونية والبترون، وهكذا حتى اليوم السابع. وخلال الأسبوع نفسه، سيتعين على المرشحين طبع صورهم لتعريف الناخبين بأشكالهم، وستخوض لوائح الإعلانات حرب شعارات جديدة.
يمكن إجراء الانتخابات في موعدها وفقاً لقانون «الستين». فالتمديد للمجلس النيابي، كما تأجيل موعد الانتخابات شهرين أو ستة، عيب. لكن ليس عيباً حسم بضعة سياسيين إن كان يتعين إجراء الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها أم لا، ولا عيب في حرق المراحل داخل غرفة ضيقة لا أحد ممن هم خارجها يعلم ما يتعين عليه فعله إن كان يحلم بممارسة أي عمل سياسي في هذا البلد، وليس عيباً مفاجأة المواطنين، قبل بضعة أيام من الموعد المنتظر، أن عليهم تغيير برنامجهم الأحد المقبل للذهاب إلى الانتخابات. لا يحتاج الانتخاب وقتاً للتفكير ومقارنة البرامج ومطابقة الحملات ومتابعة المناظرات؛ يكفي أن يقول «سوبرمان» للمواطنين اذهبوا يوم الأحد إلى أقلام الاقتراع حتى يذهبوا طائعين شاكرين.