تتشابك الأمور أمام المواطن العادي، ليس في لبنان بشكل عام، وإنّما أمام إبن الجنوب بشكل خاص ومميّز، حيث خَبِرَ وعاش كل صنوف المشاكل و«البلاوي» والأخطار التي يُمكن أنْ تواجه أي بلد وأي مواطن في منطقةٍ تُعجُّ فيها وتتشابك القضايا المحلية بالقضايا الإقليمية، والدولية بصورة خاصةٍ وعامة...
لهذا، يعيش المواطن الجنوبي مع اللبناني عامةً والمقيمين، بالمشاركة الحتمية والتلقائية جميع أنواع الهواجس والاضطرابات، بحيث إنّه كيفما أدار وجهه إلى أي ناحيةٍ واجهته المشاكل الضخمة والمُفعمة بكل أنواع الأخطار والهموم، من اختلاط القضايا الداخلية التي توحي بالانتقال من تأزّم إلى آخر في مسائل السياسة والأمن والأمور الحياتية المعيشية التي تضغط بكل ثقلها على حياته اليومية وعلى مستقبله وواقع مصيره وعياله، إذ لا اتفاق على أي شيء، سواء بالنسبة لاستحقاق الانتخابات النيابية التي تضغط بقرب انتهاء ولاية المجلس النيابي في 20 حزيران المقبل، من غير أنْ يتم التوصل إلى قانون انتخابي يُنظّم الحياة النيابية، ويرسم وقائع المستقبل لها أو بالنسبة للوضع الحكومي الواقع بين شقَّيْ حكومة مستقيلة تقوم بتصريف الأعمال، وحكومة لا يتم تأليفها، وتصطدم بمعوّقات تشابك الآراء والمواقف بالنسبة لتأليفها بشكل يرسم ملامح مستقبل الأيام المقبلة للحياة، أو بالنسبة لواقع الفراغ الحاصل في استحقاق التعيينات في العديد من الأماكن والإدارات الحسّاسة في مؤسسات الدولة، وعدم التكهُّن حول مصير إشغال هذه المراكز من جهة، وعدم التوافق العام بين مختلف الفرقاء السياسيين في لبنان من جهة أخرى، الأمر الذي يُرخي بظلاله السيئة، بل المُضرّة على مختلف مستويات الحياة السياسية والإدارية للبلد بشكل عام...
وهي المرة الأولى في تاريخ لبنان التي تصل فيها الأمور كلّها ومع بعضها البعض في وقتٍ واحد إزاء هذا الواقع المتردّي من الانقسام في التشابك...
لكن الأسوأ من كل ذلك، هو انعكاس هذه الأمور كلّها على المساحة الوحيدة، أو المنفذ الوحيد الذي يتنفّس فيه المواطن للعيش، ولو بالحد الأدنى من طموحاته وسط هذه المعمعة، وهي الاستقرار في أجواء الهدوء لتأمين لقمة العيش له ولعياله...
ويتزامن هذا الواقع المؤلم مع جملة من الأحداث والتطوّرات، في مقدّمتها:
- الذكرى الثالثة عشرة لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي في 25 أيار 2000.
- التهديد والوعيد الإسرائيلي بشن عدوان على لبنان، تحت ذريعة امتلاك «حزب الله» أسلحة متطوّرة جداً.
- الوضع المتأزم في سوريا، بعدما دخل الأفرقاء اللبنانيون إلى الداخل السوري، ومخاطر انعكاس ذلك على الساحة اللبنانية.
- الوضع المتوتّر أمنياً في المخيّمات، وتحديداً مخيّما عين الحلوة وبرج البراجنة ومحيطه.
- الذكرى السنوية السابعة لاعتداء «فتح الإسلام» على الجيش اللبناني في مخيّم نهر البارد، الذي أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى من الجيش وتدمير المخيّم.
- حالات التفلُّت والتوتّر والإشكالات المتنقّلة في أكثر من منطقة لبنانية، التي تُستخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة، وتبقى تحت عنوان الإشكال الفردي.
- استنفار وحدات الجيش اللبناني في مختلف المناطق لمواجهة التطوّرات، وضبط الأمن فيها، فضلاً عن الانتشار على الحدود في الجنوب مع قوات الطوارئ الدولية «اليونيفل» تنفيذاً للقرار 1701، وعلى الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا لعدم اشتعال تلك الجبهة.
- رسم خريطة جديدة للمنطقة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، لتكون «سايكس – بيكو» جديد، على غرار «سايكس – بيكو» العام 1916 بين فرنسا وبريطانيا، الذي شرذم وقسّم المنطقة العربية.
دوران وسط دوامة
وسط هذه الأجواء القاتمة، بل المُدلهمة على الصعيد الداخلي، ينظر المواطن نظرةً ولو بلمحة في محيطه في المنطقة، فيجد نفسه في بحرٍ من التداخلات التي لا تُفرِح ولا تُسِر، بل تزيد الهم على القلب، وتوحي بكل ألوان التشاؤم على مختلف الصعد والميادين، وفي الحروب الدائرة حوله في «الربيع العربي»، الذي تحوّل إلى تشابك وصراعات وحروبٍ تهدّد حياته وحياة عياله بالويل والثبور وعظائم الأمور، بما يتّسم في الأفق من تهديدات ومشاكل بامتداد هذه النيران المشتعلة إليه، إذا لم يكن بالشكل الأمني المباشر، وهو محتمل بالتأكيد، فبالواسطة، وما يُمكن أنْ يحدث جرّاء ذلك، خاصة بعد اشتراك فئات لبنانية، وخصوصاً «حزب الله» في وقائع الحرب الدائرة على الأراضي السورية، وانعكاس ذلك على الوضع اللبناني، في واقع الانقسام الحاصل بين فرقاء «النعم» المؤيّدة للنظام هناك، وفرقاء «الضد» والتأييد للمعارضة، وهذا ما يزيد وضوح الصورة أمام المواطن، في «الحيص بيص» التي تُنذِر بكل أنواع الأخطار والهموم المأساوية.
والأخطر من كل هذا وذلك، ما يدور ويحدث ولا يوحي إلا بالسواد والتشاؤم على مختلف الصعد والأحوال، إذ إنّ هذه المسائل والقضايا والأمور المحتدمة في المجال المحلي الداخلي، كما في المحيط الملتهب بالحرب المدمِّرة، تشابكت على الحدود الخطرة مع العدو الإسرائيلي في ظل مشاركة «حزب الله» الدائرة في سوريا بشكل مباشر وإعلان أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله في خطاب له عن أنّ دائرة هذه الحرب تدور في إطار ما يُسمّى بـ «محور تحرير شبعا اللبنانية والجولان السوري في أعقاب التهديدات الإسرائيلية بالقيام بصورة دائمة بالاستمرار بغارات على سوريا»، في إطار ما ادّعت به من وجود أسلحة متطوّرة يُمكن أنْ يحوزها «حزب الله»، وبأنّها - أي قوات الاحتلال الإسرائيلي - قد قامت في أعقاب ذلك بسلسلة من التدريبات والاستعدادات لمهمات عدائية تستعد للقيام بها على سوريا ولبنان.
وهذا يزيد الضغط على الواقع السياسي للمواطن، ويضعه في «عمق الزجاجة» على حد الاختناق، وعلى «حد السكين» من التساؤل عن المخارج أو المخرج إذا وُجِدَ للعيش في آفاق بصيص أمل، ولو بالحد الأدنى، وليس بالهناء أو راحة البال.
انقطاع الكهرباء والمياه
لكن الأمر ليس هنا فحسب، فما يُواجهه المواطن من انعكاساتٍ كلّها سلبية، وليست فيها أي لمحة أو ذرّة من ذرّات التفاؤل، حيث تُشكّل كل هذه المسائل والقضايا، سواء مجتمعة أو بصورة إفرادية، كما يُقال «كوم» والقضايا المعيشية التي تُصيب المواطن بكل مواصفات الاختناق، حيث لا كهرباء ولا ماء، إذ ليس المواطن في لبنان بصورة عامة وحده، بل الجنوب بصورة محدّدة يعيش تحت وطأة المعاناة القاسية، ليس بضيق الأعمال وعدم توافر فرص تأمين العيش اليومي، ولو بالحد الأدنى، بل في انقطاع التيار الكهربائي بشكل كلي تقريباً، وبالتالي انقطاع مياه الشرب أو «الشفة» كما يُقال باللغة الفصحى، بالتوازي بحكم انقطاع التيار الكهربائي، وسط المعامل الكهربائية المتوقّفة عن العمل بضغط العمل والتشغيل، أو القِدم، حيث أكل عليها الدهر وشرب كل أنواع المشروبات و«الفزلكات» والفلسفات، وما يتذرّع به وزير الطاقة، والجهود المثمرة والخيرة التي أتحفنا بها في معطيات باخرة الكهرباء «فاطمة غول» التي كلّفت الدولة ملايين الدولارات من غير أنْ تولد لنا الطاقة.
المواطن يتساءل في هذا المدى المنظور حالياً في هذه الأيام، كيف يُمكن أنْ نواجه الأمور المحلية كالحروب الدائرة حولنا، خصوصاً الحرب في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي يتربّص بنا، ويهدّدنا ويستعرض عضلاته علينا في الليل والنهار، ليس في واقع أمورنا المعيشية المتأزمة، بل في أبسط مواقع الحياة من عتمة الكهرباء وشح المياه، بل انقطاعها، ولله الحمد والشكر أنّنا لا نزال أحياء نتحرّك ونمشي ونتكلّم في هذه الأجواء القاتمة السواد، المليئة بكل مقومات التشاؤم.
عيد العنفوان
لقد شكّل يوم 25 أيار 2000، يوماً مفصلياً في تاريخ لبنان حمل عنوان العنفوان والكرامة والصمود والمواجهة في مقاومة العدوان الإسرائيلي، الذي جرَّ أذيال الخيبة مندحراً عن غالبية المناطق التي كان يحتلّها في الجنوب والبقاع الغربي، دون شروط أو اتفاقاتٍ.
وحمل هذا اليوم عنوان «عيد المقاومة والتحرير»، الذي تكرّس يوماً على صعيد لبنان، وأصبح قدوةً في العالمين العربي والإسلامي، بعدما استطاعت المقاومة كسر شوكة الاحتلال، الذي بقي 22 عاماً دون تنفيذ القرار 425 الصادر عن «مجلس الأمن الدولي»، والذي يقضي بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي عن المناطق التي احتلّها في عدوان آذار 1978 في الجنوب والبقاع الغربي.
اندحر الاحتلال وبقيت عقدة الهزيمة لدى مسؤوليه، الذين واصلوا العدوان على لبنان، بخرقٍ جوي وبري وبحري، والذي توّج بعدوان تموز 2006، الذي صمد فيه «ثالوث» الشعب والجيش والمقاومة، وأفشلوا مخطّطات الاحتلال الإسرائيلي.
وبين العام 2000 واليوم حصلت الكثير من المحطات، وفي طليعتها: أنّ المقاومة كانت في ذلك الوقت محور إجماع لبناني وطني، قبل أن تمر ظروفٌ متعدّدة، وتنعكس الصورة، حيث طرح موضوع سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار بين الأفرقاء اللبنانيين، إلى أنْ انتهى الحديث حول الاستراتيجية الدفاعية، قبل أنْ ينفضَّ عِقد القيادات السياسية دون اتفاق في هذا الموضوع.
وقد سجلت المقاومة انتصارات هامة ضد الاحتلال، في مقدّمها:
- بتاريخ 7 تشرين الأول 2000: تمكّن «حزب الله» من خطف 3 جنود للاحتلال في عملية أمنية نُفِّذَتْ في مزارع شبعا، هم: آدي أفيتام، وبيني أفراهام، وعمر سويد، ثم أعلن الحزب بتاريخ 15 تشرين الأول 2000 عن أسر ضابط متقاعد في جيش الاحتلال يُدعى إلحنان تننباوم.
وسُجِّلت بتاريخ 29 كانون الثاني 2004 صفقة تبادل ما بين «حزب الله» والاحتلال الإسرائيلي بوساطة ألمانية، أدّت إلى إطلاق سراح الضابط الإسرائيلي وتسليم جنوده الثلاثة الذين تبيّن أنّهم جثث، مقابل الإفراج عن 462 أسيراًً، بينهم 24 أسيراً لبنانياً، كان أبرزهم القيادي في «حزب الله» الشيخ عبد الكريم عبيد (اختطفه الاحتلال في العام 1989)، ومصطفى الديراني (اختطفه الاحتلال في العام 1994)، و6 أسرى من العرب. كما أفرج خلالها الاحتلال عن المواطن الألماني ستيفان مارك، الذي اتهمته سلطات الاحتلال بالانتماء لـ «حزب الله»، وجثث 59 مواطناً لبنانياً، والكشف عن مصير 24 مفقوداً لبنانياً، وتسليم خرائط الألغام في جنوب لبنان والبقاع الغربي، وأُفرِجَ بموجب هذه الصفقة عن 431 فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة.
- بتاريخ 12 تموز 2006، استطاعت قوة تابعة لـ «حزب الله» من القيام بعملية نوعية، عُرِفَت بإسم «الوعد الصادق»، جرت خلالها مهاجمة دورية عسكرية إسرائيلية، ما أسفر عن قتل وجرح العديد من الجنود الاحتلال، وأسر جنديان، هما: أيهود غولدفاسير وإلداد ريجيف، وقد نفّذ الاحتلال عدواناً واسعاً على لبنان، لكن هذا العدوان لم يعطِ ثماره أمام الصمود والتلاحم الداخلي، إلى أنْ فرض الحزب على الاحتلال صفقة تبادل، جرت بتاريخ 16-17 تموز 2005، أطلق بموجبها سراح عميد الأسرى العرب اللبناني سمير القنطار و4 أسرى لبنانيين آخرين، كانوا قد اعتُقِلوا في حرب تموز 2006، وإعادة رفات المئات من الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين، فضلاً عن إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين، فيما استعاد الاحتلال رفات الجنديين الأسيرين التي كانت مفاجئة أنّهما جثّتان.
مصير العملاء
وخلال اندحار الاحتلال لحقت به أذنابه مما يُعرف بـ«مليشيا لبنان الجنوبي»، منهم من استطاع اللحاق بالاحتلال قبل إقفال البوابة الحديدية عند الحدود مع فلسطين المحتلة، وبلغ عددهم حوالى 6 آلاف شخص، فيما بقي قسم كبير من العملاء في المناطق الحدودية المُحرّرة، فجرى توقيفهم من قِبل القضاء اللبناني واستفادوا من تخفيض العقوبات التي منحهم إياها القضاء على جرم التعامل مع العدو.
وعاد على دفعات أكثر من 4 آلاف شخص من العملاء أو عائلاتهم، فتم توقيف العملاء من قِبل السلطات القضائية والأمنية اللبنانية، وتمت محاكمتهم بأحكامٍ مُخفّضة، فيما كانت تتوجه النساء والأطفال مباشرةً إلى بلداتهم.
أما من بقي من عملاء الاحتلال، والذين بلغ عددهم حوالى 2000 شخص، فإن التقارير تشير إلى أنّهم يُعانون أوضاعاً صعبة، لأنّ الاحتلال تخلّى عنهم، وكذلك نبذهم الفلسطينيون في مناطق الـ 48، ففضّل قسمٌ منهم مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة باتجاه الولايات المتحدة الأميركية أو الدول الأوروبية.
واللافت أنّ هناك من انبرى للدفاع عن هؤلاء العملاء، والمطالبة بالسماح لهم بالعودة، وأنْ تكون السنوات التي أمضوها هي بمثابة سقوط للجرم الذي اقترفوه، وأنْ تتم عودتهم إلى بلداتهم مباشرةً، ومرد ذلك إلى أنّ هناك مَنْ يسعى إلى كسب أصواتهم الانتخابية، أو أصوات عائلاتهم، في الاستحقاقات المقبلة، انطلاقاً من حسابات ضيقة دون الأخذ بعين الاعتبار أنّ هؤلاء خانوا الوطن، بالتعامل مع العدو.
وأيضاً بقي من نتائج الاحتلال، احتلاله المدفون الذي تمثّل بالألغام التي خلّفها العدو بعد اندحاره في العام 2000، وكذلك القنابل العنقودية التي ألقاها في عدوان تموز 2006.
هذا فضلاً عن شبكات التجسُّس مع جهاز «الموساد» الإسرائيلي الذي يُعتبر خرقاً إسرائيلياً، تقدّم لبنان بشكوى ضدّه في «مجلس الأمن الدولي»، لكنه كما القرارات التي تُدين العدو الإسرائيلي، تبقى حبيسة الأدراج.
هذا الجيش الكبير من العملاء، الذي أحدث صدمةً بتوقيف أكثر من 160 عميلاً على أيدي الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية والحزبية، أصدر القضاء اللبناني 9 أحكام إعدام، في «المحكمة العسكرية الدائمة» برئاسة العميد الركن نزار خليل أو خلفه العميد الركن خليل إبراهيم، ولكن لم يتم تصديق أي من هذه الأحكام التي ما زالت تنتظر في «محكمة التمييز العسكرية»، علماً بأنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، كان قد أكد أنّه سيوقّع على أي حكمٍ يصله بإعدام العملاء.
هذا الكم الكبير من العملاء، اختارهم العدو بدقة مُتناهية، فهم من جنسيات لبنانية وفلسطينية وسورية ومقيمين على الأراضي اللبنانية، ومن فئات اجتماعية ومهنية متعدّدة في مؤسسات الدولة الرسمية والأمنية والعسكرية، بعضهم ما زال في الخدمة أو تقاعد، وأيضاً في مختلف الحقول التي يحتاج الاحتلال إلى تشغيل مثل هؤلاء العملاء فيها.
ولكن المؤسف أنّ هؤلاء العملاء يحظون بمحاولات بعض السياسيين لكسبهم مع عائلاتهم للفوز بأصواتهم الانتخابية، دون النظر إلى ما اقترفت أيديهم من جرائم يُعاقب عليها القانون.
ولقد سقط عشرات الشهداء والجرحى ضحايا «الاحتلال المدفون»، في منازلهم وحقولهم وبساتينهم، على الرغم من الجهود الجبارة التي بذلها الجيش اللبناني بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية «اليونيفل» والعديد من الجمعيات الأهلية والدولية، والنجاح بتنظيف مساحات شاسعة من الحقول والبساتين.
زلزال اغتيال الرئيس الحريري
في المقابل، فقد شهد لبنان بين العامين 2000 و2013 جملة من الأحداث في طليعتها جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه بتاريخ 14 شباط 2005، وما تلاها من اغتيالاتٍ، أدت إلى تعميق الانقسام الداخلي، وبالتالي إلى انعكاسات على الساحة العربية، وخروج الجيش السوري من لبنان بتاريخ 30 نيسان 2005، واستهداف الجيش اللبناني وقوات «اليونيفل» التي جرى تعزيزيها في أعقاب عدوان تموز 2006 وصدور القرار الدولي 1701.
ولأنّ الجنوب له وقع خاص، وهواؤه مشبعٌ برائحة العرق والدماء التي قُدِّمت في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فإنّه كان فأل خير على قائد الجيش العماد ميشال سليمان، الذي انتُخِبَ رئيساً للجمهورية في ذات يوم التحرير من العام 2008، وهو الذي بدأ حياته العسكرية العملانية في العام 1970 في الجنوب، حيث أعاد في المكان ذاته منطقة اللبونة الحدودية، رفع العلم اللبناني، بتاريخ 2 تشرين الأول 2006.
وكذلك قائد الجيش العماد جان قهوجي، الذي تصدّت وحدات الجيش التي كانت تنتشر في الجنوب خلال عدوان تموز 2006 للاحتلال الإسرائيلي، ويوم عيُنّ لقيادة الجيش بتاريخ 29 آب 2008، كان قائداً للواء الثاني في الجيش المنتشر في الجنوب.
إقرار بالهزيمة والاستعداد للحرب المقبلة
بين الهزائم الإسرائيلية ومحاولات الانتقام كان الاحتلال يسعى دائماً إلى التجهيز للحرب المقبلة، وهو الذي خلصت إليه التقارير التي وُضِعَتْ، خصوصاً تقرير «لجنة فينوغراد» الصادر في شهر كانون الثاني 2008، والذي أقرَّ بهزيمة الاحتلال في تموز 2006، ودعا إلى الاستعداد للحرب المقبلة، دون تحديد مكانها أو تاريخها.
وبين الحين والآخر يقوم الاحتلال بمناورات تُحاكي حرب العصابات، التي سقط في فخّها في لبنان، حيث تُجرى عدة مرات في العام الواحد.
ولكن ما تغيّر أيضاً هو أنّ المقاومة أطلقت طائرة «مرصاد 1» دون طيار، ثم طائرة «أيوب»، أي أنّها دخلت إلى مجال سلاح الجو، في مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، الذي يُعتبر من أقوى الأساطير الجوية الحربية في العالم.
كما طرأت تغيّرات عديدة، لكن قادة الاحتلال ما زالوا يُهدّدون ويتوعّدون، بالانتقام من لبنان، لأنّ طعم الهزيمة التي مُنُوا بها لن ينسوها أبداً، فهم يسعون إلى اقتناص الفُرص، أو خلق الذرائع والمبرّرات للانتقام وتوجيه ضربةٍ إلى لبنان، خصوصاً أنّ الانقسام الداخلي اللبناني يزداد تشرذماً، بعد مشاركة «حزب الله» في القتال في سوريا إلى جانب النظام، والتباين في وجهات النظر في العديد من القضايا بين فريقي 8 و14 آذار، والذي يدفع المواطن وحده الضريبة الغالية، حيث أضحى لا يفكّر بمَنْ يصل إلى الندوة النيابية، طالما أنّ الناخبين ينتخبون عدداً محدّداً من الزعماء، والآخرون هم من ركّاب السيارات أو «الفانات» أو «الباصات»، التي من يصعد إليها يصل إلى الندوة النيابية.
هذا الواقع الاجتماعي والمعيشي الصعب يزداد تأزّماً مع نزوح مئات الآلاف من العائلات السورية والفلسطينية من سوريا إلى لبنان، وهو ما يزيد الوضع المعيشي صعوبةً خصوصاً مع صعوبة تصدير المنتجات اللبنانية إلى الخارج التي توقّفت عبر التصدير البري من خلال سوريا، وتكديس المحاصيل والمنتوجات التي انعكست بنتائجها السلبية على العديد من القطاعات.
وكذلك الخشية من الوضع الأمني المتوتّر، بين الحين والآخر، الذي يشتد تأزّماً جرّاء تداعيات ما يجري في سوريا، والتي لا تطال عدداً من المناطق اللبنانية فقط، بل تجد أيضاً صدى لها في المخيّمات الفلسطينية، خصوصاً مخيّم عين الحلوة وما يشهده بين الحين والآخر من أحداث أمنية تحت عناوين إشكالات فردية، ولكن من يتمعَّن بحقيقة الأمر، والوقت الذي يستغرقه الاشتباك، الذي يستمر يوماً كاملاً، يرى أنّ ما يجري هو مُخطّط، حيث يتم تنفيذ «سيناريو» وفق أجندات خارجية، وهو ما ينطبق بالحال ذاته أيضاً على محيط مخيّم برج البراجنة والضاحية الجنوبية.
اللاجئون يتنفّسون هواء فلسطين
فلسطينياً ما إنْ أطلَّ التحرير في أيار 2000، حتى كان الفلسطينيون، يتوجّهون إلى الشريط الشائك مع فلسطين المحتلة، ليتنشّقوا عبق هوائها الذي اشتاقوا إليه، فكان المسنون يحدّثون الأحفاد عن أرض الآباء والأجداد، ويوصونهم بالتمسّك بحق العودة، وهو ما ينقض مقولة ديفيد بن غوريون «إنّ الكبار غداً يموتون والصغار ينسون»، فيردُّ على ذلك الشباب، الذين لا يتركون مناسبةٍ إلا ويتوجّهون إلى أقرب نقطة مع فلسطين المحتلة، ويقدّموا الدماء الغالية، ومنها بتاريخ 7 تشرين الأول 2000، حيث لم يتمالك جنود الاحتلال مشاهدة فرحة الفلسطينيين، وهم يقفون على مرمى حجر من الأرض التي احتلها الصهاينة، فأطلق جنود الاحتلال الرصاص باتجاه الشيوخ والشبان والأطفال والنساء، ما أدى إلى استشهاد شخصين وجرح العشرات.
وتكرّر المشهد في مناسبة ذكرى النكبة في 15 أيار 2011، حيث أطلق الاحتلال الإسرائيلي الرصاص باتجاه المحتشدين في مارون الراس، ما أدى إلى استشهاد 11 شاباً وجرح أكثر من 100 آخرين.
ولكن كل ذلك لم يحل دون تمسُّك الفلسطينيين، بالاستفادة من أي مناسبة للإطلالة على أرض الوطن، وهكذا تكرّر المشهد قبل أيام، لمناسبة إحياء الذكرى الـ 65 للنكبة، حيث التقوا مجدّداً في مارون الراس، مؤكدين حقهم بالعودة إلى أرض الآباء والأجداد.



















































