ما كان يمر في الحرب اللبنانية على خطف أحدهم أيام قليلة حتى تعلن الجهة الخاطفة مسؤوليتها عن الخطف، وتُعدّ على عجل لائحة مطالب تنتهي بمقايضة المخطوف من هذه الجهة بمخطوف من الجهة الأخرى. في رواية «التائهون»، يروي الكاتب أمين معلوف عن شاب حل عند خاطفيه محل ابنهم الذي قتله خاطفوه في الجهة الأخرى. لكن ليست هذه حال الخطف والخاطفين في الحرب السورية. بعد الخطف، ولإقناع المخطوفين بصوابية الثورة، طورت الأزمة مفهومها للخطف. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، هاتف الرئيس ميشال سليمان نظيره التركي مرة، وسأل المطارنة السريان الأربعة في تركيا مرات كلّ مسؤول تركي تسنى لهم لقاءه، والتقى مطران السريان في نيويورك رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، وكثف المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم تواصله مع الاستخبارات التركية، لكن لم تصل إلى البطريركيتين الأرثوذكسيتين السريانية والأنطاكية، رغم كل ذلك، معلومة واحدة عن مصير المطرانين المخطوفين في حلب بولس يازجي ويوحنا ابراهيم. ولا حتى معلومة صغيرة تؤكد ما إذا كان المطرانان لا يزالان على قيد الحياة أو لا. تواصلت الرابطة السريانية في بيروت مع السفارة التركية واتصل رئيسها حبيب افرام بالسفير القطري، وسأل الرئيس أمين الجميل مرتين أمير قطر خلال لقائهما الأخير عما في حوزته من معلومات عن المطرانين، لكن لم تتمكن البطريركيتان في خلاصة ما يردهما من معلومات من أن تحددا أقله الجهة التي تخطف مطرانيهما. وفي حسابات المحيطين بالبطريركيتين، هناك عدة فرقاء يهمهم تبييض وجوههم معهما، ليست الخارجية الأميركية أولهم ولا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الائتلاف السوري المعارض جورج صبرا آخرهم. يبحث هؤلاء «بالسراج والفتيلة» عن إنجاز يتيح للكنيسة هضم خيارهم السياسي المناصر للإخوان المسلمين وأخواتهم، لكنهم لا يملكون أمام إلحاح الكنيسة عليهم بالسؤال عن مطرانيها سوى القول إنهم لا يمونون على الخاطفين الذين «ينتمون إلى جهة غير منضبطة». وهذا أساس القلق من المشهد السوريّ: حين يجدّ الجدّ، يكتشف المتحمسون للترويع السلفي للمناطق التي كانت آمنة ومستقرة في سوريا أنهم لا يمونون على أحد وأن لا علاقة لمن يملكون قرار الخطف والقدرة على القتل والهدم بمعارضات ربطات العنق هنا وهناك.
يفيد السجال الانتخابي رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في حرف الأنظار الشعبية عمّا يحصل في سوريا قليلاً، لكن لا تلبث الغريزة وفيديوهات نازعي قلوب البشر وآكليها والأطفال المتغنين بالذبح أن تعيد الأعين إلى الصراع الدمويّ الدائر هناك وما يتفرع عنه لبنانياً. ففي نهاية كل أسبوع أو مطلعه، يعود الجنود اللبنانيون المنتشرون في طرابلس إلى قراهم بقصص لا تصدق عمّا يرونه في أزقة تلك المدينة الصغيرة ويسمعونه. سبق لبعض هؤلاء أن خدم في أقاصي الجنوب وتلال البقاع البعيدة، ولطالما جمعوا أصدقاءهم حولهم ليمضوا الليالي في قص الروايات المشوقة عن أشباح حزب الله وسحرته الذين يمررون صواريخهم ومدفعيتهم من تحت الحاجز أو من فوقه، من دون أن يشعر الجندي الواقف على الحاجز بمضاعفة النسمات لسرعتها فوق رأسه أو اهتزاز الأرض تحته. يقاومون قوة بحجم إسرائيل من دون أن يراهم أحد أو يسمع أصواتهم. وحين كانت قوات اليونيفيل توعز إلى قيادة الجيش بوجوب مداهمة منزل خلف الشريط الأزرق تشتبه بوجود سلاح ثقيل فيه، كان المداهمون يفاجأون ببضع أبقار حضرت ترعى بسحر ساحر في الكاراج المفترض المحكم الإغلاق. أما اليوم، فالروايات المسائية تتناول شباباً لا أحد يعلم ماذا يريدون ولماذا يشهرون السلاح في سوق خضار طرابلس، وغيره من الأسواق. لا يقاتلون فعلياً أحداً، ورغم ذلك يحدثون جلبة وصخباً ما بعده صخب. الجنود الذين قاتلوا في مخيم نهر البارد يروون لبلداتهم أن بين حاملي السلاح في الشوارع قلة قليلة تحترف حروب العصابات، لكنهم يتصيدون بعضهم بعضاً بخبث، على غرار محاولتهم تصيد عدة عناصر في الجيش اللبناني قبل ثلاثة أيام، أكثر مما ينجحون في تصيّد خصومهم المفترضين في جبل محسن. يتداخل السلاح بالدين والقيم الاجتماعية. لا قوى أمن في طرابلس؛ تكمن قوة أمراء الأحياء في حلولهم محل قوى الأمن. «لا يحترمون أحداً» و«لا يقيمون لأحد وزناً، سواء كان مختاراً أو ضابطاً أو أمير تنظيم آخر». يمكن أزمةً عاطفية أن تدفع بأحدهم إلى فتح معركة تحتاج المدينة يومين إلى إيقافها. وما لا يقوله عناصر الجيش، يقوله تجار المدينة لزبائنهم عن مسلحين يتذكرون «مقتضيات الجهاد» حين يستَحْلون في واجهة محل فستاناً لإحدى زوجاتهم، فيفرضون على صاحب المحل التبرع فيه للثورة، أو عندما يفرغ خزان وقود الـ«بي أم» الحمراء فيدفعون لملئه شعارات وترهيباً.
يصدف أن طرابلس كما الضاحية لم تعودا بالبعد الذي يتخيله كثيرون عن أقضية جبل لبنان. نحو ستين في المئة من شباب عكار المدنيين، تقول أرقام بعض البلديات، يقطنون في بيروت. صعد هؤلاء إلى بلداتهم في نهاية الأسبوع الماضي ولم يعودوا إلى أعمالهم في مطلع هذا الأسبوع، لأن مسلحين قرروا الانتصار في طرابلس لهزيمة إخوتهم في القصير. يروي هؤلاء حيثما وجدوا عن مشاعر لا يمكن وصفها حين يقفز مسلح لا أحد يعلم من أين أتى وماذا يريد ومن هي مرجعيته في عرض الطريق ليقطعه، أو لمجرد أن يروع المارين برصاص كلاشينكوفه ويغادر. تدفعهم قوة غريبة، يقول الجنود العائدون من طرابلس، «لا يهتمون لإطلاقنا الرصاص في الهواء فوق رؤوسهم. لا يمكن الحديث معهم ولا التفاوض أو التفاهم».
ليس فقط في أحاديث الموظفين في الصرح البطريركي وفي الرهبانيات وأروقة التيار الوطني الحر، سواء الحزبية أو النيابية أو الوزارية، ما عادت تُسمَع وجهتا نظر، ولو بصوت خافت، في ما يخص الأزمة السورية. في أوساط الناشطين في حزبي القوات اللبنانية والكتائب وماكينات النائبين السابقين منصور البون وفريد هيكل الخازن وغيرهما بات يصعب ذلك أيضاً. ما عاد الصراع في حسابات أي متابع جدي للتطورات السورية قائماً بين ثورة تحررية وحاكم قوي. تصلح تلك القصة لفيلم سينمائي. أما الواقعيون، فيقارنون بهدوء بين طرفي النزاع لتحديد من يفيد انتصاره استمرار حياتهم باستقرارها السابق للثورة وحريتها وأمنها ومن يعيدهم ألف عام إلى الوراء. وفي طرابلس المدينة المنكوبة بالمسلحين، يرتسم ببطء شديد ما يتخيله كثيرون فيلماً سينمائياً يدأب النظام السوري على إعادة تصويره في درعا وحماة وحمص وغيرهم: تلملم المدينة نفسها، تبحث عن فعالياتها ومجتمعها المدني، تحمل ما خبأته من أرز وتقطف ورودها لتنثرهما على عناصر الجيش، مرددة أنها لا تحتضن هؤلاء ولا تتعاطف معهم وتضيق بهم وتلعن ساعة «ثورتهم».