كما لو كان لبنان لا يزال في زمن "الحرب"، طغت عبارة "قادة المحاور" على ما عداها خلال الساعات الماضية، انطلاقا من البوابة الطرابلسية التي شهدت أعنف موجة اشتباكات لم توفر أخضرا ولا يابسا..
هكذا، تنصّل كل السياسيين من كلّ مسؤولياتهم، على جري عادتهم، وكأن لا ذنب لهم بما يحصل بتاتا، وكأنّ تحميلهم أيّ جزء من المسؤولية لن يكون سوى "افتراء". برأيهم، القصة محصورة عند من أسموهم "قادة المحاور"، وهؤلاء من يستلمون زمام المبادرة، بل إن لا "مونة" لديهم على الاطلاق.
السياسيون، الذين "نأوا بنفسهم" عن اشتباكات طرابلس الدموية، كان لديهم في المقابل ما "يلهيهم"، صفقة "التمديد" التي يبدو أنها "ستجمعهم" بعدما فرّقتهم "التقسيمات" ظاهريا. "السيناريو" بدأ يشقّ طريقه نحو الواقع، على أن توضح الساعات المقبلة الصورة أكثر وأكثر..
الضحايا إلى ازدياد والجيش لن يسكت
بقيت طرابلس في صدارة الاهتمام، وإن انتقل "التوتر" نهارا لبعض الوقت إلى صيدا، إثر رفض أحمد الأسير دفن أحد عناصر "حزب الله" في مقبرة المدينة، الأمر الذي كاد يوصل البلاد إلى ما لا تُحمد عقباه قبل أن تتمّ "تسوية" الملف.
وحده الدم في طرابلس بقي يسيل، بعد أن فشلت كل "الوساطات" في وضع حدّ للاشتباكات التي بلغت حصيلتها حتى الساعة 11 قتيلا و139 جريحا بينهم شهيدان للجيش و31 جريحا عسكريا. وقد تجدّد القتال ليلا بين جبل محسن وبابا التبانة، وعنفت عند الحادية عشرة ليلاً حدة الاشتباكات التي انطلقت من محوري البقار والريفا، ثم ما لبثت ان توسعت الى سائر المحاور، واستخدمت فيها الاسلحة الرشاشة والصاروخية، ما أدى الى سقوط قتيل في باب التبانة يدعى خضر قمر الدين وأربعة جرحى في جبل محسن.
وفي وقت عبّر المجتمع المدني عن رفضه للاقتتال، ونفذ ثلاثة اعتصامات أمام سراي طرابلس وعند ساحة عبد الحميد كرامي وفي طريق الميناء، وأصدرت هيئات المجتمع المدني بياناً استهجنت فيه الغياب غير المقبول للدولة عن المدينة أمنياً وإنمائياً، كان السياسيون يتنصّلون من المسؤولية ليحمّلوها لـ"قادة المحاور" باعتبار أن هؤلاء لا يتبعون لأيّ فريق سياسي، كما قال النائب السابق مصطفى علوش، علما أنّ هؤلاء فشلوا في الوصول إلى توافق بعد اجتماع ليلي عقدوه في جامع حربا في باب التبانة.
وسط ذلك، برز الكلام الحاسم الذي تضمّنه "أمر اليوم" الذي وجهه قائد الجيش العماد جان قهوجي للعسكريين وأكد فيه رفض تحويل الجيش مطية لأهواء أطراف لبنانيين وإقليميين، واعلن ان "الجيش لن يسكت بعد اليوم عن استهدافه واستهداف لبنان، وستكون خطواته من الآن وصاعدا على قدر خطورة الوضع الداخلي"، وشدّد على ضرورة تغليب مصلحة البلد على مصالح أي فريق سياسي داخلي أو خارجي.
بانتظار "الصفقة"..
سياسيا، بقيت المواقف على حالتها خلال الساعات الماضية، في وقت لفت أنّ "التمديد" شقّ طريقه القانونية من خلال اقتراح القانون المعجّل المكرّر الذي تقدّم به الوزير والنائب نقولا فتوش الى مجلس النواب لتمديد ولاية مجلس النواب سنتين، وهو ما سارع "الحزب التقدّمي الاشتراكي" للترحيب به على لسان النائب أكرم شهيّب الذي أعلن أنّ "الاشتراكي" هو الداعين للتمديد لفترة طويلة قد تصل إلى السنتين من أجل حماية مؤسسات البلد وعدم الوقوع في الفراغ وخاصة في المجلس النيابي لأنه فراغ في كل المؤسسات وسيضرب مؤسسات الدولة "وهذا ما لا نريده، ونفضل تمديداً سياسيا باعتبار أن المشكلة سياسية في البلد وليست تقنية، خاصة وأن البلد مقسوم عمودياً على كل المستويات".
وسط ذلك، برز ما ذكرته صحيفة "النهار" عن أنّ المشاورات البعيدة عن الاضواء التي يجريها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع مختلف الأفرقاء لم تتوصل بعد الى المعادلة التي تضمن تمرير التمديد ما بين ستة اشهر حدا ادنى وسنتين حدا اقصى، وفهم وفقا للصحيفة أنّ العماد ميشال عون يشترط على حلفائه ان يتعهدوا عدم التمديد لرئيس الجمهورية ميشال سليمان وكذلك لقائد الجيش العماد جان قهوجي، في وقت أشارت الصحيفة إلى أن رئيس الجمهورية أبلغ الوزير علي حسن خليل الذي أوفده اليه بري انه ضد تمديد طويل المدى وانه يؤيد فقط تمديدا محدودا ومشروطا باجراء الانتخابات ولا يرى مانعا من اجراء الانتخابات في مواعيدها باستثناء الخلاف السياسي الذي يعطي صورة سيئة عن البلد. واكد انه سيطعن في التمديد الطويل ولو كان ضد مبدأ الفراغ.
كلمة أخيرة..
إذا، "قادة المحاور" هم، وحدهم دون غيرهم، من يتحمّلون مسؤولية اشتباكات طرابلس الدموية..
هؤلاء ربما أيضا يتحمّلون مسؤولية "التحريض" و"التوتير" اللذين تمتلئ بهما خطابات السياسيين ليل نهار، والتي لولاها لما وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من حالة تشنّج غير مسبوق على مختلف المستويات..
وهؤلاء ربما يتحمّلون أيضا مسؤولية عدم قيام ممثلي الشعب بأيّ من مسؤولياتهم وإيصال البلاد إلى الفراغ القاتل كما يصفونه هم لتبرير لجوئهم المتوقع إلى مكافأة أنفسهم عبر التمديد..
المهم أن يبدو السياسيون في نهاية المطاف أشبه بـ"الملائكة" الأبرياء من كلّ "التهم" على أنواعها!