طرح التفاهم الأميركي الروسي على عقد مؤتمر دولي يجمع ممثلي المعارضة مع ممثلي النظام في سورية، من دون شروط مسبقة، في سياق العمل على تطبيق بنود تفاهمات جنيف، الأسئلة بشأن مدى جدية الجانب الأميركي في الالتزام بهذا التفاهم، وعدم التهرّب من تعهداته التي قطعها وزير الخارجية جون كيري للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لاوفروف في موسكو.

وبالتالي: هل ستكون واشنطن هذه المرة جادّة في تذليل العقبات التي تعترض تطبيق الاتفاق؟ وأين تكمن هذه الجدية؟

لقد كان لافتاً مسارعة واشنطن إلى التسليم بوجهة النظر الروسية لحل الأزمة في سورية، خصوصاً بعد الغارة الصهيونية، الأمر الذي دفع المراقبين والمحللين إلى التساؤل عن سر هذا التراجع، وبالتالي ماهية الدوافع الحقيقية التي أجبرت الإدارة الأميركية على ذلك، رغم علمها المسبق أنه سيكرّس روسيا لاعباً وشريكاً دولياً لا يمكن تجاهل مصالحه في العالم، ولا تجاوزه في ملفات أساسية شائكة على المستوى العالمي، فما هي هذه الدوافع؟

المتتبع لمسار التطورات يلحظ العوامل الآتية:

1- وصول واشنطن إلى قناعة موضوعية بفشل الجماعات المسلحة في تحقيق أي اختراق ميداني، واليأس من إمكانية ذلك في المستقبل، وبالتالي فإن المراهنة على تغيير ميداني يعزز موقفها التفاوضي مع موسكو إنما هي مراهنة على وهم، خصوصاً بعد الغارة الصهيونية على دمشق، والتي لم تؤدِّ إلى إرباك الجيش السوري، ولا إلى تعديل موازين القوى في الميدان، وعليه أصبح أي تأخير للتفاهم مع موسكو سيؤدي إلى نجاح الجيش السوري في القضاء على الجماعات المسلحة، وفقدان واشنطن استخدام ورقة الأزمة السورية في التفاوض مع موسكو على ملفات عالمية أخرى لا تقل أهمية بالنسبة إليها.

2- إدراك واشنطن أن الذهاب إلى الحرب الواسعة في سورية سيجرّ المنطقة إلى المواجهة الشاملة، وهو ما لا تستطيع تحمّله، بسبب ظروفها الاقتصادية والمالية الصعبة من ناحية، وعدم ضمان النجاح في تحقيق أهدافها من الحرب من ناحية أخرى، في حين سيتعرض أمن "إسرائيل" ومصالحها في المنطقة لخطر حقيقي، وما يزيد من صعوبة وخطورة اللجوء إلى الحرب، إقدام روسيا على تزويد سورية بصواريخ "أس-300" المضادة للطائرات، وصواريخ "ياخونت" المضادة للسفن، وهي صواريخ تصنَّف "إسرائيلياً" وأميركيا بأنها كاسرة للتوازن، وتجعل من الصعوبة أن تحلّق الطائرات الأميركية و"الإسرائيلية" في سماء دمشق.

3- وصول واشنطن إلى قناعة بعجزها عن مواصلة سياسة التفرد والهيمنة على القرار الدولي، خصوصاً بعد فشلها في إخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكوريا الشمالية، وفشل حربها في العراق بعد أفغانستان، وبالتالي حاجتها الماسة إلى تعاون روسيا معها لمعالجة هذه الملفات، يجعلها مجبَرة على التعاون مع موسكو لمعالجة الأزمة في سورية، بعيداً عن التدخل في شؤونها الداخلية.

4- قلق أميركا المتزايد من الانعكاسات السلبية على الدول الحليفة لها والمجاورة لسورية، وبالتالي خشيتها من انتقال الأزمة إليها، الأمر الذي يشكل تهديداً لهذه الأنظمة التي تعتبر إحدى دعائم النفوذ الأميركي في المنطقة، وما يحصل في تركيا من اضطراب داخلي، وتزايد قلق النظام الأردني على استقراره، والانقسام في لبنان، إنما يشكل بدايات مقلقة لدوائر القرار الأميركي.

انطلاقاً مما تقدم، يمكن القول إن التفاهم الأميركي - الروسي على تطبيق تفاهمات "جنيف"، تفاهم جدي، ولأميركا مصلحة في الالتزام به، ولذلك مطلوب منها تذليل العقبات أمام تنفيذه، وفي مقدمها رفع الغطاء عن الجماعات الإرهابية المسلحة (جبهة النصرة، وأحرار الشام)، وكذلك إلزام الدول التابعة لواشنطن بوقف دعمها المالي والعسكري لهذه الجماعات، وإقفال الحدود في وجهها، وهنا تكمن الجدية الفعلية في ترجمة ما اتُّفق عليه، لأن الدولة السورية جاهزة للمشاركة في المؤتمر على أساس أن يكون البند الأول في جدول أعمال "مؤتمر جنيف" إلزام الجماعات المسلّحة بوقف العنف