في جولات المعارك العديدة السابقة في طرابلس كانت الأمور أقلّ خطورة ممّا هي عليه اليوم لمجموعة كبيرة من الأسباب:
في السابق كان الأمر يستنفر كلّ القيادات السياسية والأمنيّة، أمّا اليوم فقد صارت المعارك جزءاً عادياً بدأ الكثيرون بالتعايش معه! وصار خبر الضحايا والدمار موازيا لخبر مطالب إقرار سلسلة الرتب والرواتب!
في السابق كان عدد المتقاتلين محدوداً ويمكن السيطرة عليه، أمّا اليوم فقد صارت المجموعات المتقاتلة أكثر عدداً، وأكثر تجهيزاً، وأكثر خبرة. ودخل على الخط العديد من العناصر غير اللبنانيّة، تدريباً وتسليحاً وقتالاً، وجرى إستخدام أسلحة لا تُستخدم في المعارك المباشرة، مثل قذائف الهاون وصواريخ "الغراد". وترافق ذلك مع تسجيل سقوط قذائف في عمق المناطق السكنيّة البعيدة عن محاور القتال للمرّة الأولى!
في السابق كانت جولات العنف وطولها الزمني يحد من حجم الإصابات البشريّة والخسائر المادية، أمّا اليوم فقد تجاوز عدد القتلى العشرين وعدد الجرحى المئتين، ليتم بذلك تسجيل رقم قياسي في عدد ضحايا العنف في طرابلس منذ خمس سنوات حتى اليوم!
في السابق كانت المعارك تقليديّة وتتمثّل بتبادل الرشقات النارية والقذائف الصاروخية، أما اليوم فقد سُجّلت محاولات تقدّم على بعض المحاور، بالتزامن مع إستعدادات لتنفيذ هجمات أوسع وأعمق!
في السابق كان خبر تدخّل الجيش لوقف القتال يثير جوّاً من الإطمئنان لقرب عودة الهدوء والأمن، أمّا اليوم وبعد إندلاع الجولة السادسة عشرة من الأعمال القتالية منذ أحداث السابع من أيّار 2008، صارت الثقة بإمكان السيطرة على الوضع عرضة للتشكيك، خاصة في ظلّ تنامي القوّة الميدانيّة للمتقاتلين، وفي ظلّ توسّع الدعم السياسي الذي يلقونه من قبل الأطراف المتصارعة في لبنان، وفي ظلّ إضطرار القوى الأمنية للإنسحاب من بعض المواقع بفعل وقوعها بين نارين، من دون أن ننسى دقّة المرحلة الحالية وحساسيّة الصراع المذهبي في لبنان والمنطقة، وإنعكاسه على قدرة الجيش على التدخّل والحسم!
في السابق كان الحديث عن معركة طرابلس ينحصر ببعض الشوارع المتقابلة بين باب التبّانة وجبل محسن، أمّا اليوم تتسابق بعض وسائل الإعلام على التحذير من قرب إنتقال ما يجري في طرابلس إلى عكّار وصيدا ومناطق أخرى من لبنان!
في السابق كان الجوّ العام في لبنان مشحوناً، أمّا اليوم فدرجة الشحن المذهبي والسياسي صارت أعلى، وهي باتت تتجاوز الحدود اللبنانية، وتتأثّر بالحرب الدائرة في سوريا، وبالصراع القائم في المنطقة ككل!
في السابق كان السياسيّون يتبرّأون من المتقاتلين، وبعضهم ينعتهم بزعران الشوارع، أمّا اليوم أصبح بعض المسؤولين الذين يتمتّعون بثقل شعبي ومعنوي يدافعون عن هؤلاء المتقاتلين ويؤمّنون الغطاء السياسي والمذهبي لهم.
وبالنسبة إلى تهديدات رئيس الحزب العربي الديمقراطي، رفعت عيد، بالنيابة، وتحديداً على لسان المسؤول الإعلامي في الحزب، عبد اللطيف صالح، بإبكاء أهل طرابلس كما يبكي أطفال جبل محسن، فخطورتها أنّها تضع مدينة بكاملها مع مئات آلاف السكّان، بموقع المتّهمة، أو أقلّه بموقع المتحمّل لأفعال بضع مئات من أبنائها مدعومين بآخرين من خارجها. وهذا الأمر إن دلّ على شيء فهو على مستوى الحقد المتبادل الذي بلغته الأمور في لبنان، بفعل الشحن المذهبي، والتوتّر السياسي الداخلي، معطوفاً على تأثير معارك سوريا على لبنان.
وبالإنتقال إلى تصاريح المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي، الذي قال إنّ صغاراً في جبل محسن تطاولوا على مدينة طرابلس وسيدفعون الثمن، مشيداً بقادة المحاور الذين يدافعون عن طرابلس، فهو لا يقلّ خطورة. فهذه النبرة العالية والصريحة في الكلام، تدلّ على أنّ مستوى التغطيّة السياسية للأفعال الأمنيّة المسلّحة صار مرتفعاً جداً وعلنياً ومن دون أيّ كلام تجميلي! وإذا كان صحيحاً أنّ سبب كلام ريفي هو تطلّعه إلى منصب نيابي، كما إتهمه خصومه، فإنّ في هذا الأمر خطورة أكبر، لأنّه يعني أنّ مئات الآلاف من سكّان طرابلس الذين سيقرّرون مصير المرشّحين في أيّ إنتخابات مقبلة، يتأثّرون إيجاباً بهذا الكلام وليس سلباً!
في الختام، وفي ظلّ كل ما سبق من دلائل حسّية وميدانية لا تُبشّر بالخير، يبقى الأمل معلّقاً على التدابير الجديدة التي تقرّر في وقت متأخّر من ليل الخميس – الجمعة أن تباشر بها وحدات الجيش اللبناني. وحتى لوّ كانت التجارب السابقة غير مشجّعة، فإنّ لا مفرّ من تمنّي نجاح هذه التدابير، لأنّ لا بديل عنها إلا الفوضى الشاملة والإنزلاق التدريجي نحو الحرب المذهبية، للأسف الشديد.




















































