على غرار الايام الخوالي ما زال النائب وليد جنبلاط مالئ الدنيا وشاغل الناس منذ الانعطافة الشهيرة في ايار من العام 2011 ليستكملها باستدارة ثانية بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي بـ"حكومة الانقلاب" وصولاً الى انقلاب جنبلاط على ميقاتي نفسه واعادة الحكومة ورئيسها الى نادي "تيار المستقبل".
والحق يقال ان جنبلاط كان اول من اعلن ان الانتخابات النيابية لن تجرى الا على قانون الستين واول من رفض النسبية ومشروع حكومة ميقاتي منذ عام ونصف العام واول من اعلن رفضه تعليق مهل الترشيح وفق الستين واول من طالب بشكل علني وواضح بالتمديد لمجلس النواب.
ورغم ان جنبلاط يتهم بتشغيل "انتاناته" في "الفضاء الرحب" الا انه الاكثر واقعية من طبقة سياسية فسدت وافسدت كل ما يتحرك على الارض اللبنانية. بالامس فجر جنبلاط قنبلة من النوع الثقيل فالمطالبة بالتمديد لمجلس النواب لم تكن سابقة او "سكوباً" اعلامياً او سياسياً، فقبله بايام "تبرع" الوزير والنائب نقولا فتوش باقتراح قانون لتمديد مجلس النواب لنصف ولاية درءاً للفتنة والفراغ، بل الاهمية في اعلان جنبلاط تأييد التمديد لمجلس النواب من "شرفة" الرئيس نبيه بري يحمل في طياته اكثر من معنى واكثر من رسالة والاهم من المضامين والرسائل كلها هو التوقيت تحديداً.
في اليومين الماضيين شهدت بيروت واروقة المقار الرسمية الرئيسية حراكاً دبلوماسياً لافتاً وهذا الحراك معطوف على جولة مكوكية قام بها العديد من الموفدين الدوليين الى لبنان اعلن عن جزء من جولاتهم وتصريحاتهم وتحركاتهم وبقي الآخر طي الكتمان وفي "امانات المجالس". وما خرجت به هذه اللقاءات ان على السلطات اللبنانية ان تضع حداً لمغامرات "حزب الله" في سورية ووقف دعم نظام الرئيس بشار الاسد ومنعه من السقوط بعد ترنحه. لكن الرغبات الدولية والاميركية تحديداً تصطدم بأمر واقع لبناني فحزب الله جزء من النسيج اللبناني والسياسي الداخلي ولديه شبكة تحالفات سياسية وحزبية شعبية سنية وشيعية ومسيحية. كما انه جزء من الحكومات المتعاقبة منذ اتفاق الدوحة حتى اليوم كما ان شرعية سلاحه مستمدة من كل البيانات الوزارية منذ الطائف وحتى اليوم. فكانت اولى الرغبات الاميركية محاولة ازاحة حزب الله عن المشاركة في حكومة تمام سلام بعد اسقاط حكومة ميقاتي، وهذا الامر يمهد لوضعه لاحقاً على لائحة الارهاب السوداء. وهذا المطلب الاميركي ليس جديداً بل هو عائد للعام 2000 الا انه كان يتوقف عند جدار النظام السوري الذي كان يستفيد دائماً من عروض غربية ويقدم عروضاً تحيّد المقاومة الفلسطينية واللبنانية عن اي مربع مغلق يعرضها للاستهداف السياسي او العسكري.
استهداف اسرائيل لجبل قاسيون السوري والتلويح بورقة الجولان والاسلحة الكاسرة للتوازن جعلت "العين الاميركية" تحمرّ على حزب الله وتغضب لغضب اسرائيل. فحزب الله الذي دخل المعركة السورية من بابها الواسع في القصير لن يتورع، وحسب وجهة النظر الاميركية والاسرائيلية عن القيام بكل ما يلزم لفرض الغربة الايرانية ببقاء المربع السوري خارج السيطرة الاميركية والاسرائيلية رغم ان كثيرين باتوا مقتنعين تماماً ان اميركا واسرائيل باتتا اكثر فرحاً وراحة مع دخول الحزب بثقله وعتاده وخيرة مقاتليه الوحل السوري.
لماذا ضغط الاميركيون في الايام الماضية على خط اجراء الانتخابات باي ثمن في وقتها ومنع التمديد لمجلس النواب الحالي الذي يرأسه نبيه بري حليف حزب الله وخط دفاعه السياسي الاول؟
هناك من تبلغ في بيروت بُعد الاستفسار الفرنسي عبر السفير في لبنان باتريك باولي عن مصير الانتخابات ثم تلاها زيارة الاخير الى الرئيس ميشال سليمان الذي تعهد امامه باجرائها في وقتها وهو امر يصر عليه قبل ذلك سليمان. وفي الاتصال الاخير الذي جرى بين الرئيس الاميركي باراك اوباما وسليمان حرص اوباما على التأكيد مرات ثلاثا على منع الفراغ اللبناني واجراء الاستحقاقات في وقتها كما حرصت السفارة الاميركية في بيروت على ايراد الجملة التي امتنع اعلام قصر بعبدا عن ايرادها في بيانه الاعلامي وهي عن مشاركة حزب الله في معارك القصير وتقويض استقرار المنطقة.
تبلغ حزب الله في اليومين الماضيين كما بري وجنبلاط رغبة اميركية واوروبية عارمة باجراء الانتخابات باي ثمن لمنع التمديد او بقاء الوضع اللبناني في قبضة حزب الله، فالتمديد لمجلس النواب يعني بقاء الوضع في حالة ستاتيكو بين حالة لا غالب ولا مغلوب لكن مضبوطة في اطار الفراغ من دون ملامسته بالشكل الفعلي الا في فراغ بعض المؤسسات.
انفلات الصراع السوري وانفجاره في القصير والشمال وطرابلس يؤشران الى ايام واشهر صعبة من عمر الازمة في لبنان وسورية وبينهما يبقى المشهد ضبابيا فلا حقيقة قبل انتهاء الازمة السورية فاي فريق سيسمح بخسارة ما بين يديه الامر الذي يقودنا فعلاً الى ان جنبلاط يستشعر الخطر فعن اي انتخابات تتحدثون ففرض انتخابات امر واقع على اساس الستين ليس اقل سوءاً من تمديد المشكلة لعامين اضافيين بنصف ولاية مجلسية.