في عزّ ازمات قانون الانتخابات والصراع الدموي والمقيت في سوريا والاشتباكات في طرابلس، وجدت نفسي من دون ان ادري اتطلع الى مكان آخر، الى حيث توضع الاستراتيجيات الحقيقية لمصلحة تنمية شعوبها وتطويرها، لمصلحة شبابها وفرص عملهم ولقمة عيشهم. ووجدت نفسي أنظر بحسد "ايجابي" الى ما حققته الامارات المتحدة على مستوى السياحة والمؤتمرات والمعارض، وطموحها باقامة معرض Expo 2020 في دبي، وخصوصا انني حملت راية اهمية الـmice tourism وناضلت بشراسة للحض على تطوير موقع لبنان في هذا القطاع.
وما زادني حسرة هو اننا في ظل تخبطنا لبناء دولة، لم نع بعد اهمية قطاع المؤتمرات والمعارض على صعيد الاقتصاد العالمي. اذ حاولت اقناع مجلس الوزراء باقامة مركز عالمي للمعارض والمؤتمرات في منطقة الضبيه لمعرفتي بان هذا القطاع هو مستقبل السياحة والخدمات في المنطقة. فما كان بالاقتراح الا ان اودع الادراج. واخيرا قمنا بزيارة برشلونة للاطلاع على اكبر مركز للمعارض في اوروبا، وهو معرض برشلونة التي بـــــدأت تنــــظيم معارض مثل Smart Cities وDigital Worlds وغيرها من "المعارض الذكية". وأضفنا فرصة ضائعة جديدة الى لائحة الفرص الضائعة التي صرنا نتقنها باحتراف حتى اصبحنا من روّاد الفرص الضائعة.
اما اليوم، فلنتطلع الى ما ستحققه دبي اذا فازت باقامة Expo 2020، فقد اشار تقرير اقتصادي لجامعة "اوكسفورد" الى نشوء 277 ألفاً و149 وظيفة بين 2013 - 2021، و40% منها ستكون في قطاع السفر والسياحة. ويقدر أن 90% من فرص العمل المتوقعة، ستستحدث 2018 - 2021، اذ يتوقع ان يزور 25 مليون شخص المعرض الممتد على فترة 6 أشهر، وسيتم استحداث 147 ألف وظيفة في قطاع السفر والسياحة، مما يدل على احتمال كبير لتحويل نسبة عالية منها الى وظائف دائمة لخدمة نمو الاقتصاد في فترة ما بعد المعرض.
كم هي جميلة هذه الارقام وكم هي سهلة المنال اذا تم وضع الاستراتيجيات الصحيحة، او اقله اذا التزمنا الخطط الصحيحة التي تضعنا في اول الدرب، وقد يكون الـExpo العالمي ما زال حلما بعيدا، اذ يرتبط بالبنى التحتية وسياسة الطيران حكماً. لكن، اذا نجحنا في استقطاب بعض المعارض المتخصصة الى لبنان، سنبدأ بوضعه على خريطة صناعة المعارض، وبتوفير فرص عمل يحتاجها شبابنا. ففي استطلاع اجرته وزارة السياحة الاسبوع الماضي، سجلت الفنادق التي استضافت مؤتمرات متخصصة في الاشغال بنسبة مرتفعة، مما شكل انتعاشا مهما لعملها مقارنة بالفنادق التي لم تنظم مؤتمرات.
ان ما حققته دبي اليوم في عالم المعارض يجب ان يشكل درسا مهما وهدفا اساسيا نضعه نصب اعيننا. فلبنان يمتلك المقومات الرئيسية للابداع في هذا القطاع، وقد تكون خبراته التي تعمل في دبي اكبر دليل على Know How اللبناني. والاهم ان شبابنا يحتاجون الى كل فرصة عمل ممكنة، واذا لم تتوجه كل خططنا المستقبلية في هذا الاتجاه، فستكون النتائج كارثية في المستقبل القريب، لاننا نتجاهل هذا الواقع الذي يدفع شاباتنا وشبابنا الى دروب الهجرة والابتعاد عن وطنهم وعائلاتهم التي بذلت الكثير في تربيتهم وتعليمهم افضل تعليم.
فاذا تطلعنا الى ما نطمح لتوفيره من فرص عمل في الـ2020، ماذا ستكون النتيجة؟ هل التلزيمات الممنوحة على مدى الاعوام الماضية ستوفر فرصا لشبابنا؟ هل مفهوم الاحتكارات الذي ما زال يطبع عقلية اقتصادنا سيوفر وظائف مبدعة وتنافسية لشباب المستقبل؟ وهل صرف اكثر من 20 مليار ليرة لاقامة مسبح اولمبي في ضبيه يدار من الدولة سيضمن استقطاب فاعليات عالمية؟ وما الجدوى مما انفقناه على اقامة "مدينة كميل شمعون الرياضية"، ونحن ما زلنا عاجزين عن استضافة العاب رياضية او نشاطات أخرى عالمية او اقليمية على مستوى عال؟ وما جدوى ما انفقناه على "معرض رشيد كرامي الدولي" الذي صنف من افضل التصميمات الهندسية العالمية؟ لقد اغتالت عقلية مركزية بيروت كل الآفاق المرصودة لهذا المعرض، فها نحن بدل ان نحوّل طرابلس مدينة عالمية للمعارض، تحولت ساحة صراع تستنزف المدينة أكثر فأكثر. وحتى عندما تقدمت بمشروع متكامل لتحريك معرض طرابلس عبر اضافة مركز ترفيهي عالمي متكامل على غرار "والت ديزني"، قوبل المشروع ببرودة. فربما قدر طرابلس ان تبقى بين ايدي زعمائها بدل ان تتحول مدينة كوزموبوليتان على غرار دبي، تستقبل المعارض العالمية مما يعود بالنفع على جميع مناطق الشمال ولبنان.
اما الأسوأ، فهو طريقة ادارتنا لمركز "بيال" للمعارض وهو الوحيد في بيروت. فقد تم تشييده كمركز موقت ليستضيف مؤتمر الفرنكوفونية على املاك الدولة، وبعد انتهاء المؤتمر استمر عمله من دون اي سند قانوني او ترخيص. اليس من الافضل ان يتم قوننة "بيال" واشراك القطاع الخاص والهيئات الاقتصادية عبر المناقصات اللازمة لتطوير المركز بحسب المواصفات العالمية؟ ثمة المئات من الشركات المهتمة في الدخول مع شراكة مع الدولة في تطوير مركز المعارض في "بيال" لو تم تأمين المظلة القانونية لعملهم.
ينتظرنا اليوم توفير 25 الف فرصة عمل سنويا، والا فلنواجه عيون شبابنا المتطلعين الى مستقبل افضل ولنشرح لهم بامعان سبب فشلنا في ذلك. ان من ابرز اسباب فشلنا هو اننا ما زلنا نسيس الاقتصاد ونمارسه طائفياً ومناطقيا ومصالحياً، لتتحول فرصة عمل شبابنا ورقة يلعبها المرشحون بدل ان تكون حقا مكتسبا لهم وامانة حقيقية في اعناقنا. وبدل ان نضمن تنافسية الاقتصاد لنضمن لهم وظائف حقيقية مبدعة، يقوم كل زعيم بحشر اتباعه في ادارات الدولة في وظائف وهمية معلبة. يستحق منا شباب لبنان أكثر من ذلك، يستحقون عبر الوسائل اللازمة ان يكونوا روادا في الترويج للبنان في اقامة المعارض والمؤتمرات وتصميم الحملات الجاذبة والمبدعة ليستقبل لبنان Expo 2030 ولم لا؟ وخصوصا اننا سنرى الكثير من اللبنانيين الذين ان شاء الله سيقودون الى نجاح "اكسبو دبي 2020".
اتقدم من الامارات بالتهنئة، ونحن دعمنا طلب دبي لاستضافة Expo 2020 والذي اذا تحقق، سيكون اول معرض عالمي يتم تنظيمه في منطقة الشرق الاوسط. عسى ان يكون نجاح دبي بمثابة wake up call لراسمي السياسات الاقتصادية في لبنان ليقرأوا جيداً الاشارات ويعملوا بموجبها.
فادي عبود هو وزير السياحة














































