الحالة المأسوية التي يعيشها اللبنانيون اليوم، في ظلّ وضعية انعدام الوزن السياسي، وإختلال الحسَ بالمواطنة والشعور بالمسؤولية، تدفعنا الى التبصّر ملياً بهذا الواقع المرير الذي يمرّ به وطننا، بسبب الصعاب التي تعترض مسيرة تشكيل الحكومة من جهة، وبسبب التحديات التي تنعكس على بلدنا إقليمياً من ناحية أخرى.
ولبنان الذي يقع جغرافياً على فالق زلزالي محاذٍ للأخطار البركانية في منطقة الشرق الأوسط، يعاني منذ تكوينه السياسي، من حالة الإستضعاف والتجاذب ومحاولات الوصايات الخارجية على قراره. وهذا الأمر يعرّض السيادة الوطنية لخطر الإنتهاك الدائم، اذا لم تسرع القيادات والمسؤولين الى وضع خلافاتهم وأطماعهم وطموحاتهم جانباً، قبل ان نندم جميعاً على خطيئة كبرى، هي ان يتحوّل هذا البلد الجميل والحضاري، الى ساحة مفتوحة للصراعات والحروب العبثية الهدّامة، والأحداث الخطيرة، وهذا ما يتطلّب الإسراع بتشكيل حكومة اليوم قبل الغد.
وفي الوقت الذي تكثر فيه دعوات الفرقاء على الساحة اللبنانية لإقرار قانون جديد للإنتخابات النيابية، يؤمن صحّة التمثيل وعدالة العمل السياسي، تتنامى التوجّهات العصبية في بعض الأوقات والمناطق، مصحوبة بشحنات من التصاريح السياسية الحادّة التي من شأنها تأجيج الصراع ونقله من المنابر والساحات السياسية الي ميادين الإقتتال الأعمى، الحامل معه قتل الأرواح والمعنويات واغتيال الأمال بإعادة الروح الى الحياة البرلمانية، وضخّ جرعات زائدة من الحراك في جسد الحكومة، ولو كانت مشلولة دستورياً، بإنتظار الإسراع بتأليف (حكومة الضرورة الوطنية)، لأن لبنان يمرّ اليوم في مرحلة إستثنائية ودقيقة جداً، تستدعي إعلان حالة طوارىء دستورية لإنقاذ بلدنا من الأخطار التي تحوط به، وتقيه المؤامرات التي تستهدف دوره وحضوره وتفاعله مع الدول العربية والغربية.
ان الكيانية اللبنانية، التي تمتاز بطبيعتها الدستورية المرنة، وبأنها مطبوعة بالحريّة السياسية، وبالتعددية الدينية، هي الآن، بسبب أحداث المنطقة وتداعياتها، وبسبب صراع المصالح بين السياسيين، مهدّدة بشكل مباشر، بأن تفقد دورها ولونها ووظيفتها، وأن يصبح لبنان، لا سمح الله، فدراليات احزاب وطوائف متناحرة على السلطة والحكم، وتتسابق على مكتسبات ومغانم ونفوذ.
وفي ظلّ الخوف من الفراغ في المؤسسات الدستورية والأمنية، التي هي عصب الكيان وركيزة الإستقرار في الوطن، يأتي كلام فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بمناسبة زيارة وزارة الدفاع وقيادة الجيش، عشية عيد التحرير، ليؤكد بثقة العارف، وجرأة المسؤول الأول، وحامي الدستور "ان الفراغ ممنوع". وهذا كلام كبير في ظرف خطير يجب تقديره والوقوف عنده، لأنه صادر عن المرجعية الأولى في الدولة اللبنانية، ولأنه قيل في مكان له دلالته، وفي زمان له رمزيّته. إن اللبنانيين مدعوون جميعاً الى ان يدركوا دقة المرحلة، ومعنى حرص رئيس الجمهورية على عمل المؤسسات الدستورية الأمنية، وسعيه لمنع الفراغ، وعدم تعريض البلد للخطر بسبب تقاعس الفرقاء السياسيين عن دورهم، ونزاعهم الدائم على السلطة.
ويأتي الكلام الرصين والمتماسك لقائد الجيش العماد جان قهوجي ليؤكد على ان المؤسسة العسكرية مؤتمنة على أمن الوطن وكرامة الناس وسلامتهم، وان الجيش هو من كلّ لبنان، ولكل لبنان. وهذا كلام يبعث على الطمأنينة، ويرسّخ ثقة المواطنين بالدولة.
لكن، بعد كلام فخامة الرئيس، والموقف االصلب لقائد الجيش، كيف سيتصرّف السياسيون لمنع الفراغ، وانقاذ الوطن وحماية الناس؟
انّ الجواب الأكيد على دعوتنا لمنع الفراغ، يكون عملياً بالإسراع بتشكيل الحكومة، بعدما حصل من تطورات خطيرة لأنها المخرج الوحيد لإنقاذ الوضع اللبناني الهشّ، خصوصاً ان المرحلة الدقيقة التي يمرّ فيها الوطن تستدعي دعم رئيس الحكومة المكلّف تمام سلام لتأليف الحكومة المنشودة، وهو قادر على قيادة الحكم في ظلّ هذه الأزمة الصعبة التي تعصف بالوطن، نظراً للثقة التي حصل عليها من قبل جميع مكوّنات البلد السياسية، وهذه فرصة ذهبية يجب التقاطها، من أجل تحصين لبنان وإعادة النبض الى الحياة السياسية الصحيحة في عمل المؤسّسات، مَنْعاً لوقوع الفراغ القاتل للوطن ودوره ورسالته الحضارية، وهذا مطلب محلّي وعربي ودوليّ، لأن تشكيل الحكومة هو أولوية مطلقة، في هذا الظرف الدقيق.
* رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم














































