«الجيش اللبناني لن يسكت بعد اليوم عن استهدافه واستهداف لبنان، وستكون خطواته من الآن وصاعداً على قدر خطورة الوضع الداخلي». بهذه العبارات، التي أطلقها بمناسبة عيد «المقاومة والتحرير»، اختصر قائد الجيش العماد جان قهوجي خطط المؤسّسة العسكريّة، وسط مطبّات أمنيّة خطيرة ومحفوفة بالأشواك.
كلام قهوجي لم يأت من فراغ، انمّا من رحم الواقع الذي ينذر بتحدّيات تواجه المؤسسة العسكريّة في المرحلة المقبلة في ظلّ محاولات التحريض والاستفزاز التي تخطّت الخطوط الحمر، وفي ظلّ التهديدات التي تتلقاها المؤسسة العسكريّة من الجماعات التكفيريّة الارهابيّة، وقد عمدت قيادة الجيش سياسة الصمت مكتفية ببيانات إعلاميّة-عسكرية تصدر عن مديرية التوجيه وغير مفصحة عمّا في جعبتها من خطط للردّ تفوق التهديدات وتكون على مستوى التحدّيات.
اليوم وبعد تعرّض الجيش لاعتداء هو الثاني في عرسال في مدّة قصيرة، لم يعد هناك مجال للسكوت، خصوصاً مع ارتفاع منسوب الخطر على الحدود مع سوريا وفي طرابلس وصيدا، وفي ظلّ اطلاق صاروخين على منطقة الضاحية الجنوبيّة لبيروت.
ففي عرسال تخضع المجموعات الارهابيّة المتطرّفة لرصد دقيق من مخابرات الجيش اللبناني. وتتحدث معلومات أمنيّة أنّ عرسال تحوي جماعات ارهابيّة متطرّفة من جنسيّات لبنانيّة وسوريّة تلقى الدعم من بعض أهالي المدينة. كما يشكّل الشيخ مصطفى الحجيري "أبو طاقية"، وفي حقّه مذكرات توقيف بتهم ارهابيّة، العرّاب الأول لهذه المجموعة السلفيّة المتطرّفة، الذين رأوا في هذا الحاجز عائقاً كبيراً لحركتهم من ناحية الإمداد اللوجستي والعملاني بين قاعدتهم العسكرية في عرسال وجبهتهم القتالية في المنطقة السورية الوسطى من القصير الى حمص، وبالتالي الاعتداء على العسكريين يأتي في اطار جعل طرق التهريب والإمداد اللوجستي الى سوريا مفتوحة.
وتضع المؤسسة العسكرية هذه الخطوة الإجراميّة في إطارين: الأول أخذ رهائن عسكريين بقصد الابتزاز مقابل الافراج عن السجناء الاسلاميين في سجن روميّة، خاصّة أن في حوزة الجيش تفاصيل ومعلومات سابقة عن محاولات لاستهداف الجيش على كامل امتداد الأراضي اللبنانيّة.
والثاني استكمال لمحاولات زجّ المؤسسة العسكرية في الصراع الداخلي، وفي أتون الصراع السوري –الداخلي، وجرّ الجيش الى محاولة تكرار سيناريو نهر بارد آخر، والدليل أن العناصر الارهابيّة التي قتلت العسكريين الثلاثة استعملت نفس الطريقة عند بداية أحداث نهر البارد، حيث قامت بمداهمة غرف المنامة وتصدّت لها العناصر وأفشلت المخطط الذي كان سيؤدي الى مقتل عشرات العسكريين، وتبيّن من خلال التحقيق أنّه كان هناك مجموعات تساند المهاجمين من مرتفع مجاور، مما يؤكد لدى قيادة الجيش النيّة المسبقة في مهاجمة الحاجز عن سابق تصوّر وتصميم. وفي كلّ الأحوال التحقيق جار، وهناك شك ببعض المتورطين في الحادثة الموجودين داخل عرسال.
وانتقالاً الى طرابلس، الجيش جاهز لحسم الأمر والخطة موضوعة ومدروسة منذ فترة طويلة وهي جاهزة للتطبيق، ولعل التردّد الحاصل هو التخوّف من الصدام مع الأهالي واراقة الدماء، وهذا ما يرفضه قائد الجيش حتى الآن، ولم يعد ينقص بعد إلا قيام المسؤولين السياسيين في المدينة ابلاغ قادة المحاور بأنّ الجيش هذه المرّة مختلف عن كلّ المرّات وهو جاهز للضرب بيد من حديد.
وإذا كانت الصواريخ التي أطلقت على الضاحية دفعت البلد نحو المزيد من التأزّم، فإنّ الستاتيكو الأمني الخطير الذي بدأ يرخي بظلاله الثقيلة على طرابلس والبقاع قد يجعل القيادة في اليرزة على أهبّ الاستعداد للمواجهة التي لا مفرّ منها، وإن تأخرت قليلاً حفاظاً على الأمن والاستقرار الداخلي.
وأخيراً مسؤوليات ومهام كثيرة ملقاة على عاتق الجيش اللبناني تكاد ان تفوق إمكاناته المتواضعة، وتهجّمات وحملات مشبوهة غير مبرّرة تشنّ ضدّه، فمن الحدود الجنوبية حيث يتواجد الجيش لمؤازرة القوات الدولية في تطبيق القرار 1701، إلى الحدود الشمالية والشرقية حيث يجهد في منع عمليات التسلل والتهريب بالاتجاهين مروراً بالداخل حيث يتولى مهمة حفظ الأمن بتكليف مفتوح من مجلس الوزراء، تتشعب المهام الموكلة إلى الجيش ويكتسب دوره الأمني أهمية استثنائية، خصوصاً وأنه يتركز في جانب أساسي منه على مكافحة الإرهاب في ظلّ تنامي حالات التطرّف الديني بأشكال وأحجام مثيرة للقلق في الأشهر الأخيرة.
ولذلك المطلوب اليوم من الاعلاميين والسياسيين توجيه أصابع الإتهام بالتسويات السياسية الى الرسميين من رجال السياسة والقضاء الذين لم يتخذوا من المواقف ما يمليه عليهم القانون دفاعاً عن الجيش، وليس الى قيادة الجيش.


















































