لم تعد أمور البقاع الشمالي تبشّر بالخير. بعد مقتل شاب عرسالي، قرب الهرمل، قُتِل أمس 4 شبان من بلدات منطقة الهرمل في جرود القاع. يجهد حزب الله لإبعاد التهمة عن أبناء عرسال، منعاً للفتنة التي استوطنت أشباحها في الجرود الخاضعة لسلطة المجموعات السورية المسلحة
كادت مقتلة وادي رافق، في جرود القاع ـــ رأس بعلبك، أن تشعل منطقة البقاع الشمالي. التوتر الذي يرتفع منسوبه يوماً بعد آخر، وصل إلى نقطة شديدة الخطورة أمس، بمقتل أربعة شبان، أحدهم من اللبوة، والثاني تركيّ الجنسية والدته لبنانية من بلدة النبي عثمان، وواحد من بلدة القصر والرابع من سهلات المي (محمد كرامة جعفر، حسين علي جعفر، شريف يوسف أمهز وعلي حيدر). الجريمة نفذها مجهولون نصبوا كميناً للشبان الأربعة الذين قصدوا المنطقة لإصلاح شاحنة متوقفة منذ اليوم السابق في المكان، تعود للشابين من آل جعفر. وتقع منطقة وادي رافق في منطقة جردية، تتداخل فيها أراضي رأس بعلبك مع القاع، وتعتبر «المقر الرئيسي لتسليم المازوت المهرب من سوريا وإليها». وفي معلومات عن الحادثة، أكدت عشيرة آل جعفر أن الشابين من آل جعفر، ولدى تعطل شاحنتهما في المنطقة، طلبا المساعدة من كل من أمهز وحيدر، وما إن وصل الأخيران إلى المكان حتى تعرضوا لوابل من الرصاص من قبل مجموعة مسلحة، ما أدى إلى مقتلهم على الفور.
عائلات الشبان الأربعة وجهت الاتهامات مباشرة إلى أشخاص في بلدة عرسال، فيما ربطت وسائل إعلام، بعضها تابع لقوى 14 آذار، بين جريمة أمس وجريمة قتل ابن بلدة عرسال علي الحجيري الأسبوع الماضي (إذاعة «صوت لبنان ــ صوت الحرية والكرامة» سارعت إلى اتهام مجموعة من عرسال بتنفيذ الجريمة ثأراً للحجيري).
فور شيوع الخبر، توجهت قوة من الجيش إلى وادي رافق، ففوجئت بعدد كبير من العناصر المسلحة، ما استدعى منها «التراجع بانتظار التعزيزات»، بحسب ما أوضح مصدر أمني. ولم يمر وقت طويل حتى عاودت القوة التوجه إلى المكان الذي كان قد انكفأ منه المسلحون، فجرى نقل جثث الضحايا إلى مستشفى البتول، ومنها إلى منازل ذويهم في القصر واللبوة والنبي عثمان.
موجة الغضب بعد شيوع الخبر بلغت ذروتها، فانتشر مسلحون عند مداخل بعض القرى في البقاع الشمالي، وتحديداً في ساحة بلدة اللبوة ـــ مفرق عرسال، وفي محلة التل الأبيض. حالة الفوضى والغضب تواصلت على مدى أكثر من ساعتين، قبل أن تنجح مساعي العقلاء في المنطقة وحركة الاتصالات المكثفة التي أجراها حزب الله وحركة أمل والجيش في لجم المظاهر المسلحة. ومن سعوا إلى التهدئة استندوا إلى معلومات تشير إلى أن المنطقة التي وقعت فيها الجريمة تشهد وجوداً لعدد من أهالي عرسال، إضافة إلى انتشار مجموعات سورية مسلحة. وحذّر مسؤولو حزب الله وحركة أمل الذين زاروا عائلات الضحايا من أن أي ردة فعل باتجاه عرسال، من شأنها جر البلاد إلى فتنة تريدها المجموعات السورية المسلحة التي تسعى إلى افتعال فتنة في لبنان. وفيما أكّد عضو مجلس شورى الحزب الشيخ محمد يزبك أن على أهالي عرسال تسليم المشتبه فيهم إلى الأجهزة الأمنية، أصدرت قيادتا حركة أمل وحزب الله ونواب منطقة بعلبك ـــ الهرمل، بياناً اتهموا فيه «بعض المأجورين، بارتكاب الجريمة، بهدف إشعال الفتنة في المنطقة، تحت ذرائع وعناوين مصطنعة». ورأى هؤلاء النواب «أن تقصير الدولة على هذا الصعيد يدفع بالفتنة قدماً».
أهالي الضحايا وجهوا أصابع الاتهام إلى عدد من أبناء بلدة عرسال، وتحديداً إلى رئيس بلديتها علي الحجيري وابنه، والشيخ مصطفى الحجيري (الملقب بـ«أبو طاقية»، شقيق علي الحجيري الذي قُتِل غربي الهرمل قبل أسبوع). فيما نفى رئيس البلدية ذلك، مؤكداً أنه احتفل بزفاف ابنه في اليوم السابق. أما الشيخ، فنفى أي صلة له بالجريمة، قائلاً: «لا أعرف غريمي حتى أستهدفه، فهل سأقتل أبرياء لا صلة لهم بقتل أخي؟».
وصدر بيان باسم أهالي عرسال، استنكروا فيه «المجزرة التي استهدفت المدنيين الآمنين، مشددين على أن هذا الاعتداء يرمي إلى الإيقاع بين أهالي عرسال وأهالي المنطقة، وإلى إشعال نار الفتنة المذهبية». وطالب القوى الأمنية «بالعمل بسرعة على كشف الفاعلين وسوقهم للعدالة»، مع التأكيد أن أهالي عرسال «براء من الفاعلين، مهما كانت هويتهم، ومستعدون لتقديم أية معلومات قد تصل إليهم عن الفاعلين».
ولفت أحد فاعليات بلدة عرسال لـ«الأخبار» إلى أن الجريمة «نسفت كل مساعي الصلح التي كانت ستحصل بعد يومين بين أهالي عرسال وعشائر من الهرمل، التي كانت ستقدّم واجب العزاء بالمغدور علي الحجيري».
ياسين جعفر، أحد وجهاء عشيرة آل جعفر، أوضح في اتصال مع «الأخبار» أن «الشباب من أبناء المنطقة غدروا من قبل مجموعة مجرمين وقتلة، وسنترك حالياً أمور التحقيقات للدولة التي لا بديل منها، بغية الوصول إلى هوية المجرمين الذين ارتكبوا هذه المجزرة»، مضيفاً: «بعُرفنا، لن نستعجل. ومهما طال الزمن سنصل إلى غريمنا بالذات، ولن ننجر إلى الفتنة التي يحاول البعض دفعنا إليها، ولن نكون السبب في إشعال البلد الذي هو أكبر منا جميعاً». لكن جعفر توجه «بالعتب على بلدة عرسال والشرقي» (قرى السلسلة الشرقية)، الذين يسمحون «باستهدافنا بالصواريخ تارة، وبالقتل تارة أخرى من قبل مجموعات مسلحة مجرمة، لذلك نعتبرهم مسؤولين لكون القتلة يمرّون من عندهم، فيما نسمح لجرحاهم بالمرور إلى المستشفيات للمعالجة». وأكّد أن «على أهل عرسال أن يكونوا على قدر المسؤولية وينبذوا القتلة من بينهم، ونحن سننال من القتلة من دون سواهم».