تجمع الدبلوماسيتان الشرقية والغربية على الاعتبار أن ما يمر به لبنان أخطر بكثير مما يتصوره بعض صغار اللاعبين بحسب التعبير، حتى أنه يجوز القول أن ما يحصل في البلاد أخطر مما تشهده الساحة السورية المشتعلة، مع فارق بسيط هو أن الحرب الباردة التي يتعرض لها لبنان أشد وطأة من قرقعة السلاح الذي يعلو صوته في سوريا، فما تشهده الساحة المحلية وفق دبلوماسي شرقي هو أبعد بكثير من قبول طعن من هنا أو تشكيل حكومة من هناك، إنما هو صراع على مستقبل لبنان السياسي من جهة والمحور الذي سيضع اليد عليه من جهة ثانية.
انطلاقاً من هذه المعادلة البسيطة والشديدة التعقيد، يخشى الدبلوماسي من أن يكون لبنان قد خطا بثبات خطواته الأولى نحو الفراغ السياسي والأمني، في ظل مؤشرات لا تخلو من الخطورة أبرزها عدم قدرة المسؤولين على ضبط الأمن المتنقل، لا بل اتساع رقعته واشتداد وطأته المذهبية، فضلاً عن عجز الطبقة السياسية عن انتاج أي من أشكال الحلول أو حتى تبريد الملفات في حده الأدنى، فضلاً عن التزامات خارجية لبعض كبار اللاعبين على غرار تيار "المستقبل" الملتزم عضوياً وتمويلاً بدول نفطية معروفة، و"حزب الله" الذي تحول إلى ذراع ايرانية عسكرية لها الدور الفاعل في الهلال الشيعي الذي أصبح حقيقة واقعة لم تعد تحتاج سوى لاعلانها، وكل ذلك في مشهد يتماهى مع الصراع الأميركي الروسي المتمحور حول كيفية اقتسام النفوذ في المنطقة.
ليس بعيداً عن ذلك، يرى الدبلوماسي المعني أن الاستمرار في الحديث عن الاستحقاقات الداخلية هو خطوة مكشوفة لذر الرماد في العيون، لا سيما أن تمديد مجلس النواب لنفسه جاء تلبية لرغبة خارجية تتعلق بمسار المفاوضات الدائرة حول الأزمة السورية وتداعياتها على دول الجوار، كما أن تكليف تمام سلام تشكيل حكومة جديدة هو للالتفاف على "حزب الله" في ظل معادلة يدركها الفريقان المتصارعان في الداخل، وهي أن المحور الروسي الايراني يضغط عسكرياً في سوريا بينما الغرب يضغط سياسياً انطلاقاً من لبنان لمحاصرة "حزب الله" ومن خلاله ايران وروسيا، وذلك من باب رفع السقوف المتبادل للوصول في النهاية إلى نقاط تبادل تصلح للمقايضة على طاولة المفاوضات.
ويكشف انه من الخطأ الاعتقاد أن المحادثات الروسية الأميركية المتصلة بجنيف 2 تتمحور حول الأزمة السورية وحدها، بل أنها تشمل خريطة لبنان والأردن الجيوسياسية، كما تشمل الدور التركي في المنطقة، فضلاً عن حجم التعاطي الايراني الخليجي، ولذلك فإنه من المفيد الانتظار إلى ما بعد جنيف 2 الذي قد يتحدد مساره بعد لقاء الرئيسين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين في غضون الأيام القليلة المقبلة.
ويتوقف عند الأمن المتفجر في جرود البقاع، فيعتبره صورة طبق الأصل عن الصراع السني – الشيعي المتدرج صعوداً منذ أكثر من سنتين، وهو لن ينتهي في مدى العقود المنظورة، وإن كان سيشهد هبات باردة بانتظار استكمال الهلال الشيعي المقدر له أن يشكل خط الدفاع الأول عن المصالح النفطية العالمية، ولذلك فإنه من غير المفيد التوقف عند انتخابات من هنا أو حكومة من هناك إلا اذا كان ذلك مستنداً إلى تسوية اقليمية شاملة.






















































