في يوم الانتخابات المرجأة بسبب "الظروف القاهرة"، بدا كلّ شيء هادئا وطبيعيا في لبنان، إلى أن وقعت الواقعة..

و"الواقعة" هنا ليست سوى "جريمة" باتت، للأسف، من "عدة الشغل" في وطن ما زال "صامدا" بوجه كلّ المخططات والمشاريع التي قد يكون توصيف "مشبوهة" الأقل تعبيرا عن حقيقتها، "جريمة" كانت كفيلة، من حيث الزمان والمكان، بتفجير أتون "المعركة" بين من يفترض أن يكونوا "الاخوة" في الوطن..

هكذا، ودون سابق إنذار، "اشتعل" البقاع برمّته بعد مقتل أربع شبان من بلدات منطقة الهرمل في جرود القاع في كمين مسلّح استهدفهم، ليسود "التوتر" المنطقة برمّتها، فيما "الدولة" النائية بنفسها عن كلّ شيء، لا تفعل سوى "التفرّج" على هيبتها المفقودة وأمنها السائب، دون أن تلوح في الأفق أيّ إجراءات "عملية" تضع حدا لحالة "الفلتان" الحاصل..

لكنّ كلمة حق تقال أنّ هذه الدولة، وعلى جري عادتها بعد كلّ "كارثة"، "استنفرت" بكلّ قواها للاستهجان والاستنكار والتنديد، مرفقة ذلك بالدعوة لـ"ضبط النفس" و"الوعي" و"الحكمة" لكي لا يحقق "القتلة" هدفهم بالايقاع بين أبناء الشعب الواحد..

جريمة مروّعة.. والهدف واحد

هكذا إذا، وحتى ساعات ما بعد الظهر، كان يوم الأحد اللبناني هادئا ومشرقا. لم يكن شيء يوحي بـ"ظروف قاهرة" أو بـ"تدهور أمني" هنا أو هناك. أمضى اللبنانيون نهارهم، الذي صودف أنه اليوم المفترض للانتخابات النيابية المرجأة، يترحّمون على "الديمقراطية" التي بدا أنها انتقلت إلى رحمة الله، أو أنها عمليا كانت أصلا "مزيّفة". حضرت الانتخابات الرئاسية الايرانية على الطاولة، فتفاوتت الآراء بنتيجتها بين من اعتبرها استكمالا للمسيرة، ومن قرأ فيها "مفاجأة غير متوقعة"، وصولا حتى إلى من قرأ فيها ملامح "ربيع إيراني". لكن، ورغم الاختلافات، بدت ثابتة وحيدة لا جدل فيها: إيران تفوّقت "ديمقراطيا" على لبنان، وانتخاباتها حصلت في الوقت المحدّد دون أن تشوبها أيّ شائبة.

بعد الظهر، حصل ما لم يكن في الحسبان، وتغيّرت كلّ الأولويات. هي "الفتنة" أبت إلا أن تدقّ الأبواب مجددا، عبر جريمة مروّعة ذهب ضحيتها أربعة مواطنين سقطوا بفعل كمين مسلّح في البقاع، وسقط معهم "الأمن السائب" في الدولة. ولأنّ هول الجريمة بدا كبيرا وفظيعا، ساد "التوتر" سريعا، حيث قطعت العديد من الطرقات وسجل انتشار مسلح في بلدات عدة، ليضرب الجيش اللبناني مرة أخرى بيد من حديد، علما أنّ قيادته أصدرت بيانا أوضحت فيه أنّ وحدات الجيش قامت بتسيير دوريات راجلة ومؤللة وإقامة حواجز في مختلف أرجاء المنطقة، وعملت على إخلاء كافة المظاهر المسلحة وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها.

وفيما أهابت قيادة الجيش بجميع المواطنين والعائلات البقاعية كافة، "التعالي على الجراح وضبط النفس والتحلي بالصبر في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد"، برز الحراك السياسي السريع على الخط نفسه، وخصوصا من قبل قيادتي "حزب الله" وحركة "أمل" اللتين اتهمتا بعض "المأجورين" بارتكاب الجريمة بهدف "إشعال الفتنة في المنطقة تحت ذرائع وعناوين مصطنعة" ودعتا الدولة لـ"تحمّل مسؤولياتها بحزم وقوة من خلال المسارعة فورا لمعالجة الموضوع والضرب بيد من حديد على أيدي المجرمين القتلة وتوقيفهم ومحاكمتهم وإنزال أشد العقوبات الرادعة بهم حفظا للبلاد والعباد"، في وقت سُجل بيان لافت لأهالي عرسال أعلنوا فيه أنهم "براء من المسؤولين عن مقتل 4 في وادي رافق أيا كانت هوياتهم".

8و14 شوّها وجه لبنان..

ومن الأمن إلى السياسة، استمرّت "حفلات الجنون" المتبادلة بين قوى 8 و14 آذار على مختلف المستويات، من قضية التمديد بالطعن لولاية المجلس النيابي والضغوط على المجلس الدستوري إلى مسألة تأليف الحكومة التي بقيت "مجمّدة" وغيرها من الملفات، في وقت لفتت "الصرخة" التي أطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بحق فريقي الثامن والرابع عشر من آذار على حدّ سواء، وذلك خلال احتفال أقيم لمناسبة تدشين بازيليك السيدة العذراء في حريصا، بحضور رئيس الجمهورية ​ميشال سليمان​ ورئيس الحكومة المكلف تمام سلام، حيث حمّل الفريقين المتنازعين مسؤولية ما أسماه "تشويه وجه لبنان وميثاق العيش المشترك"، ولفت إلى أنهما، بنزاعهما المتمادي، عطّلا الانتخابات النيابية ويعطلان تأليف حكومة جديدة، كما يفكّكان المؤسسات الدستورية والقضائية، وهما تورطا بالحرب المؤلمة والمؤسفة في سوريا ويورطان لبنان وشعبه في تداعيات هذه الحرب ونتائجها.

وفي وقت لفت "ردّ" على الراعي من رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​ دعاه فيها إلى تحميل المسؤولية إلى "الفريق الحقيقي الذي يورّط لبنان ويقوم بتعطيل الانتخابات وغيرها من القضايا"، لفت أنّ جعجع "أمهل" رئيس الحكومة المكلف لمدة أسبوعين لتشكيل حكومة "وإلا فليعتذر"، مجددا في الوقت عينه طرحه حكومة تكنوقراط ليس بالمعنى الضيق للكلمة، بل مؤلفة من شخصيات مستقلة حتى تجرب أن تقوم بعملية إنقاذية للبلد.

في غضون ذلك، وفي وقت لفت كلام لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان شدّد فيه على أنّ أحدا لا يستطيع عزل الرئيس، تفاعلت قضية "الشكوى" التي طلب الأخير تقديمها ضدّ سوريا، ولفتت في هذا السياق مواقف لوزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عدنان منصور نفى فيها وجود خلافات مع الرئيس، ولكنه شدّد على أنّ "لا شكوى ضدّ سوريا"، رافضا "استعداء الشقيق وتقريب العدو"، مشيرا إلى أنّ "الاشكاليات التي تحصل بين الأشقاء يمكن حلها بالطريقة الودية"، على حدّ تعبيره.

كلمة أخيرة..

الضرب بيد من حديد.. كلمة ترد على ألسنة السياسيين كلما وقعت الواقعة أو حصلت الكارثة..

لكنّ الضرب بيد من حديد لا يمكن أن يكون مجرّد شعار، مجرّد حبر على ورق.. الضرب بيد من حديد يجب أن يكون واقعا، وليكون كذلك، يجب على من ينظّر له أن يوفّر البيئة الحاضنة له، أو بالأحرى الغطاء المطلوب..

المرحلة حساسة ودقيقة، ومخطط الفتنة بات واقعا ولم يعد مجرّد تهويل، لذلك المطلوب ليس فقط الوعي والحكمة، ولا التعالي على الجراح.. المطلوب "عمليا" وفي "الميدان" أكثر من ذلك بكثير..