للعائد بالزمن عاماً بالتمام والكمال أن يلاحظ تقاطع الشروط التي وضعتها 14 آذار يومذاك وتحديداً في حزيران لمشاركتها في طاولة حوار بعبدا، مع مذكّرتها التي تعمل على “تنقيحها” وتدوير زواياها تمهيداً لرفع النسخة النهائية منها الى رئيس البلاد اليوم. بنودٌ كانت لتبقى على ما هي عليه مع بعض “الروتوشات” من حيث قوّة اللهجة لا المضمون لولا بروز معادلة حزب الله-القصير.

إذاً قررت 14 آذار أخيراً أن تُفرِغ “سخطها” في مذكّرة رسميّة. سخطٌ يلامس الاعتداءات التي سبقها الرئيس الى رصدها في شكواه. سخطٌ أرادته تلك القوى أن يصل في نهاية المطاف الى هدفه المطلق: التصويب على النظام السوري من خلال ما مُنِحت من أدواتٍ سياسيّة لعلّ أبرزها المطالبة بطرد السفير السوري من لبنان وتعليق العمل بالاتفاقات الثنائية ونشر قوات حفظ سلام على طول الحدود الشمالية مع تعزيز انتشار الجيش. كلّ تلك البنود القديمة-الجديدة قد لا تهمّ 14 آذار بقدر ما تبحث في ثنايا الشكوى عن وضع حدٍّ لما تسمّيه مصادرها “جموح” حزب الله في المعركة السورية. “جموحٌ” لا تجد مصادر 8 آذار رداً مناسباً على استخدامه سوى بسؤال واحد: “وهل يقف المستقبل في ثوب الملائكة متفرجاً على الأزمة السورية. فضلهم سبق”. فما جديد مذكرة 14 آذار؟ وهل يأخذها الرئيس سليمان على نفسه ويتبنى مذكرة أحد شطري الانقسام العمودي الداخلي رغم أنها تحاكي موقفه من الخروقات؟

دق ناقوس خطر

تؤكد مصادر المستقبل لـ “البلد” أن “المذكرة التي ستقدّمها قوى 14 آذار الى رئيس الجمهورية وستودع الأمم المتحدة والجامعة العربية نسخةً منها ما هي إلا دقّ ناقوس خطر أمام جميع اللبنانيين من حربٍ أهلية يورّطنا فيها حزب الله من خلال تدخله في سورية وتجلى ذلك في خطاب السيد حسن نصرالله أخيراً. أردنا أن نطالب رئيس الجمهورية باعتماد إعلان بعبدا -أضعف الإيمان- وتطبيقه. أردنا أن نضعه أمام مسؤوليته خصوصًا أن مواقفه الوطنية لحماية البلد مشجّعة. لا يمكننا أن نرضخ لما يحصل وأن نجلس متفرّجين على إغراق البلاد في الوحول السورية. إنطلاقاً من هذا الهاجس ولدت هذه المذكرة، ولكن من المؤسف التفكير في أن الرئيس قد لا يتمكّن من امتلاك قوةٍ تأثيرية ركوناً الى هذه المذكرة، خصوصًا أن وزيراً في حكومةٍ مستقيلة اليوم لا يستجيب لطلب رئيس البلاد”.

“لأننا لسنا ميليشيا”

ولكن ما الجديد في هذه المذكرة خصوصًا أنها تشبه شروطكم للمشاركة في حوار حزيران 2012. يبدو وكأنكم تدورون في الدوامة نفسها بلا مستجيب أو صدى؟ تجيب المصادر: “طبعاً لن يكون لصوتنا صدى لأننا لسنا ميليشيا ونراهن على دور الدولة والمؤسسة العسكرية ورئيس الجمهورية. وكنوابٍ عن هذه الأمة لا يمكن إلا أن نقدِم على ما سنقدم عليه اليوم في حضرة رئيس الجمهورية، وحتى لو لم تثمر هذه المذكرة نتيجة ملموسة لن يثنيَنا ذلك عن الاستمرار في رفع الصوت ضدّ الاعتداءات والانتهاكات وضد تورط حزب الله”.

“هم من تبنوا موقفه”

بعبدا في الأجواء، وسيّد القصر مستعدٌّ لمشهدية التسليم مع يقين مسبق بأن ركونه الى هذه المذكرة سيكلّفه تصويباً مفادُه أخذه في الاعتبار مذكرةً صادرة عن فريق سياسيٍّ هو في الاساس “متهم” من 8 آذار بالانحياز اليه، فكم بالحري إذا تبنّى بنود هذه المذكرة كاملة؟ مع العلم أن سليمان سبق 14 آذار الى المبادرة بتعبيد الطريق أمام شكوى عبر وزارة الخارجية ضدّ سورية لوقف انتهاكاتها واعتداءاتها على لبنان، بيد أن الحياة لم تُكتَب لها حتى الساعة في كواليس الأمم المتحدة والجامعة العربية وأغلب الظن لن تُكتَب. وتشير مصادر بعبدا لـ “​صدى البلد​” الى أن “الرئيس لا يتبنى مواقف أي فريق وليست خطواته نابعة من انحيازه الى أي فريق بل من مسؤوليته وموقعه وضميره. فهل يكون منحازاً إذا رفض الاعتداءات على بلاده؟ الرئيس هو من كان المبادِر الى رفع شكوى بالخروقات وفريق 14 آذار تبنى هذا الموقف لا العكس”. وشددت المصادر على أن “مواقف الرئيس ليست إرضاءً لأي فريق، وللتذكير فقط يوم شُكِّلت الحكومة اتهمه فريق 14 آذار بأنه منحازٌ الى فريق 8 آذار”. صحيحٌ أن الرئيس كان سباقاً في شكواه ولكن هل يُعقَل أن يتبنى مذكرةً من فريقٍ سياسيٍّ مواقفه من الأزمة السورية معروفة ومحسومة؟ تجيب المصادر: “إذا كانت مذكرة 14 آذار تنسجم مع مواقف الرئيس فلا يعني ذلك أنه هو من يتبنى وجهة نظرهم بل العكس. ففي نهاية المطاف نتمنى من الجميع أن يتبنوا مواقف الرئيس خصوصًا أنها مواقف وطنية لا سياسية ولا شخصية، بل تصب في مصلحة كل لبناني ينشد أمنه واستقراره”.

“زيتها عكرٌ” أيضًا

لم يكن منتظراً من 14 آذار، أقله على أعين جمهورها، أن تقف متفرّجةً على انغماس حزب الله في الأزمة السورية، وهي التي انتهجت سياسة التعليق الخجول من بعيد منذ أشهرٍ وأكثر. سياسةٌ ليست في الحقيقة وليدة رضى تلك القوى على ما يفعله حزب الله ولا وليدة تسليمها بالأمر الواقع بل لسببٍ تعلمه هي قبل سواها. فصفوفها المتضعضعة كانت بالنسبة اليها بمثابة “كسرة ظهر” نادراً ما سمحت لها في الآونة الأخيرة بتسجيل موقفٍ حازمٍ. عدا ذلك، تعلم تلك القوى أن “زيتها عكر” أيضًا وأن عليها أن ترى الخشبة في عينها قبل أن ترى القشة في عين سواها. لكلّ هذه الأسباب صمتت 14 آذار وكانت تنتظر بين حينٍ وآخر موقفاً من زعيمها الغائب عبر تويتر. في الأمس خرج سعد الحريري من ثيابه وفتح ناره على نصرالله واليوم تخرج 14 آذار من ثيابها وتلتئم جدياً بعد “اجتماعات متقطعة” لتفتح نارها على حزب الله والنظام السوري ولكن هذه المرة... من بوابة بعبدا. بوابة تعلم 14 آذار أنها قد لا تشكل مدخلاً فعالاً لأي حلٍّ أو سبيل ولكن هزّة رأس منها على مذكرة اعتراضيّة قد تمنحها مصداقيّة أمام جمهورها والمجتمع الدولي... أغلب الظن لن تحصل 14 آذار، أقله ظاهراً، على هزّة الرأس تلك... فسليمان الذي تتقاطع مواقفه مع معظم بنود هذه المذكرة أذكى من أن “يباركها” برمّتها أو أن يبصم لها بالعشرة رغم علمه المسبق بأن شكوى مماثلة قد تحمل زخمًا لشكواه العالقة بين جدران “الخارجية” الأربعة.