أنقذ الرئيس نبيه برّي نفسه والمجلس النيابي من «براثن» المجلس الدستوري. إستعان لذلك بحليفه «الإفتراضي» وليد جنبلاط، رجل المهمّات التي لا تقدّر بثمن. وبعد 20 حزيران، ستكون موازين القوى في السلطة مختلفة تماماً عمّا قبله.
الآن بات واضحاً لماذا جرى ما جرى. فالحيّ الوحيد الباقي هو المجلس النيابي، ومعه رئاسة الجمهورية... حتى أيار المقبل. ولكن، بعد هذا التاريخ، لا أحد يضمن الآتي. إنّه المجهول. والكلام الذي قاله النائب سليمان فرنجية قبل أيام قريب جدّاً من التصديق: لا إنتخابات رئاسة في ربيع 2014!
ففريق 14 آذار لم ينتخب رئيساً بالنصف زائداً واحداً بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحّود، أي عندما كان يملك الغالبية المطلقة. وأساساً، لم يفتح الرئيس برّي أبواب المجلس لهذه "المغامرة"، ولم يُقْدِم عليها الآذاريّون ولو كانت الحكومة آنذاك للرئيس فؤاد السنيورة، ولو لم يكن جنبلاط قد غادر "العشّ الآذاري". وفوق كلّ ذلك، لم تكن حرب "الحياة أو الموت" قد بلغت أوجها في لبنان، لأنّ حرب "الحياة أو الموت" لم تكن قد انطلقت في سوريا.
في تلك المرحلة توافر لفريق 14 آذار كثير من القدرة وقليل من الإرادة لانتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً. وأمّا اليوم، وفي ظلّ المعادلة السورية الحالية، فلا قدرة إطلاقاً... ولا إرادة. وهذا لا يعني أنّ فريق 8 آذار سيكون في وارد مغامرة من هذا النوع، لكنّه على الأقل، وبناءً على تجاربه السابقة في فرض المعطيات، (تعطيل تأليف الحكومة، تعطيل التعيينات، تعطيل المجلس الدستوري) سيكون قادراً على تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية في أيار 2014. وسيترك مسألة إجراء الانتخابات الرئاسية أو عدم إجرائها رهناً بميزان القوى، تماماً كما فعل بالانتخابات النيابية: إمّا أن تكون لنا، وإمّا أن لا تكون!
في النص الدستوري، وبناءً على التجربة "الطازجة" مع نهاية عهد الرئيس لحّود، يتولّى مجلس الوزراء مجتمعاً صلاحيّات الرئاسة. ولكن، ليس هناك بصيص ضوء حتى اليوم في الملف الحكومي. وتكاد تمضي 3 أشهر على تكليف الرئيس تمّام سلام، والعصيّ في دواليبه. وإذا لم يتوافر لفريق 8 آذار ثلث معطّل، فهو لن يتيح للرئيس المكلّف دخول السراي. ومن الصعب على فريق 14 آذار أن يوافق على شرط من هذا النوع. فالحكومة الميقاتية قد تكون أفضل. وقد تتقاطع المصالح ضمناً على البقاء في وضعية تصريف الأعمال حتى إشعار آخر. وأمّا احتمال تأليف سلام حكومة "أمر واقع"، تَصْدُر مراسيمها لكنّها لا تنال الثقة، فتتحوّل هي حكومة تصريف الأعمال، فهو يفترض موافقة رئيس الجمهورية على ذلك. وحتى اليوم، لم يكن الرئيس متحمّساً، ولا جنبلاط موافقاً.
وهكذا، يتعطّل انتخاب رئيس للجمهورية، فيما الحكومة في وضعية تصريف الأعمال. وهذا يعطّل على ميقاتي تكرار تجربة السنيورة في تولّي مجلس الوزراء صلاحية الرئاسة. فلا يمكن دستوريّاً لمَن فَقَد الشرعية أن يتولّى الصلاحيات عمَّن فَقَد الشرعية أيضاً.
عندئذٍ، ستكون السلطة التنفيذية بكاملها غير مكتملة المواصفات الشرعية. ووحدها السلطة التشريعية آمنة وغير مطعون بها حتى تشرين الثاني 2014 على الأقلّ. وحتى ذلك الحين، ستكون ملامح المعادلات في سوريا قد ارتسمت في وضوح أكبر، فتفرض حضورها في لبنان. وفي أيّ حال، سيكون الرئيس برّي هو الرجل الأقوى في الحكم، على رأس المؤسّسة الباقية وحدها في السلطة على قيد الحياة. ومن السهل جدّاً تمديد التمديد إذا دعت الحاجة. فلا أحد يعترض على بقائه في السلطة التشريعية.
هناك مَن يعتقد أنّ الأبرياء وحدهم كانوا يتلهَّون في الأشهر الأخيرة بشؤون كثيرة، فيما المطلوب واحد: "أرثوذوكسي" من هنا، ومختلط من هناك، وصراع مُنَظِّرين حول النسبي والأكثري، والطائفي – المذهبي والعلماني، لكنّ الماء كانت تجري تحت أقدام الجميع... وهو يعوم ويغرقون. وأساساً معظمهم يغرق بـ"شبر ماء"!