تنتظر قوى 8 آذار أن يزيد الرئيس ميشال سليمان من انحيازه الكامل ضدّ سوريا في الأشهر المتبقية من ولايته. حجز سليمان أمس كرسيه رسميّاً في نادي المراهنين على سقوط الرئيس بشّار الأسد، في الوقت الذي يسجل فيه الجيش السوري انتصارات متتالية
ــــ ترنّ ترنّ... مستر سليمان؟ معك باراك أوباما.
ــــ أهلا أهلا مستر بريزدنت، هلّت الأنوار، خير انشالله؟
ــــ أردت أن أعبر عن قلقي من نشاط حزب الله وتزايد دوره في سوريا، والقتال عوضاً عن نظام الأسد، وهو ما يتناقض مع سياسات الحكومة اللبنانية. مستر سليمان، يجب الحفاظ على استقرار لبنان وسيادته وأمنه، ونشكركم على إبقاء الحدود مفتوحة واستضافة اللاجئين من سوريا. لا تخافوا مستر سليمان، نتعهد بمواصلة الولايات المتحدة مساعدة لبنان على مواجهة هذا التحدي. ـــــ ولو مستر بريزيدنت، ونحن بدورنا سنفعل ما بوسعنا للضغط على حزب الله، وسندين بشدّة خروقات الجيش السوري للأراضي اللبنانية. وِيلْكَم وِيلْكَم.
هذه المحادثة بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس الأميركي باراك أوباما متخيّلة طبعاً. علماً بأن محادثة حقيقية حصلت بين الرجلين قبل ثلاثة أسابيع، وأعلن فيها أوباما موقفه الوارد أعلاه في المحادثة المتخيّلة، بحسب بيان صادر عن البيت الأبيض.
ليس بالأمر القليل أن يرنّ هاتفك ويكون أوباما هو المتصل، كم رجل في العالم يحصل معه الأمر عينه؟ لم يحتمل سليمان الإطراءات التي يتلوها عليه رؤساء الدول الغربية وتثمينهم سياسة «النأي بالنفس». وإطراءات الغرب، لا تقاس بأبيات الشعر التي ينظمها الرئيس فؤاد السنيورة والنائب بطرس حرب للرئيس، وطبعاً إنشاد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ردّية «يا ريّس ولا يهمّك».
حمل الرئيس أمس سمّاعة هاتفه واستدعى الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي لتسليمه «مذكرة» عن «الخروقات والاعتداءات السورية على لبنان». لبّى بلامبلي الدعوة، على عكس ما قد يفعله أي قاطع طريق في طرابلس أو صيدا.
في المبدأ، لا يحقّ لرئيس «جمهورية لبنان ما بعد الطائف» أن يستدعي مسؤولاً أمميّاً ويسلمّه مذكّرة، كما فعل سليمان.
تقول مصادر رفيعة في وزارة الخارجية إن سليمان لا يملك الحق في تجاوز صلاحيات وزير الخارجية، وإن مسألة تسليم مذكرة الى مجلس الأمن، لا تتم عبر الرّئيس، بل عبر وزارة الخارجية ثمّ مندوب لبنان في مجلس الأمن، «ربما يظن الرئيس أنه رئيس ما قبل الطائف بصلاحيات كاملة». وتشير المصادر إلى أن ما قدّمه سليمان لبلامبلي «ليس مذكرة ولا شكوى، لأنه لا حقّ قانونياً له في هذا أصلاً، والورقة التي سلمها لبلامبلي هي بمثابة إخبار».
وفي المبدأ، أيضاً، تقول وزارة الخارجية إن موضوع تقديم شكوى إلى مجلس الأمن لا يصحّ في حالة سوريا، «بيننا وبين سوريا اتفاقية أخوة وتعاون واتفاقية دفاع مشترك تحتّم علينا التواصل مع الجانب السوري وليس الاحتكام إلى مجلس الأمن». وتضيف المصادر أن «تقديم شكوى بسبب اعتداء يتمّ في حالة كان الفاعل دولة عدوة والاعتداء مقصوداً، كما هي الحال مع اسرائيل، لكن في حالة سوريا الأمر مختلف، هناك خصوصية للحدود وهناك خصوصية للسياسة، كما أن الجيش السوري كان يطارد مجموعات مسلحة هي على عداء مع الجيش اللبناني أيضاً، ألم يسمع الرئيس بالنيران الصديقة؟».
مع بداية الأحداث السورية، وتحديداً في بداية نيسان من العام2011، طلبت سوريا من لبنان عبر المجلس الأعلى اللبناني ـــ السوري أن تؤلف لجنة بين الجيشين اللبناني والسوري للتنسيق في عملية ضبط الحدود، ونقل المجلس إلى سليمان الطلب السوري وقتها. وافق الرئيس في بداية الأمر على ما تقول مصادر مطّلعة، وفي خلال 48 ساعة تالية أبلغ المعنيين رفضه للفكرة. وبحسب المصادر، فإن سوريا أعادت طرح الطلب بصيغة أخرى تقضي ببقاء ضابطين لبنانيين (مخابرات وعمليات) في سوريا وضابطين سوريين في بيروت للتنسيق، لكن سليمان رفض الفكرة مجدداً. وتقول المصادر نفسها إن رئيس الجمهورية «ساهم مع تيار المستقبل في خلق بيئة حاضنة سياسية وأمنية وعسكرية في البقاع والشمال للمسلحين السوريين على قاعدة أن النظام السوري سيسقط في غضون أشهر».
ويعود المصدر في تأكيد نظريّته إلى عدّة أحداث حصلت «ولم نر الرئيس في الحماسة نفسها التي بدا عليها أمس، لم نقرأ مذكرته في خصوص عقاب صقر ودعمه المسلحين السوريين، ولا في باخرة لطف الله 2، بل لم نقرأ مذكرته التي يطالب فيها المجتمع الدولي بالضغط لإطلاق 9 لبنانيين مختطفين على أيدي عصابات تابعة لأجهزة أمنية إقليمية وعربية، الرئيس بنى مذكرته الأخيرة بناء على حادث حدودي».
في السياسة، لم يكن ما فعله سليمان أمس مستغرباً. على الأقل، بالنسبة لقوى 8 آذار وحزب الله، الذي يراقب اندفاعة الرئيس عن كثب. أكثر من ذلك، يقول المعنيّون في قوى 8 آذار إن «سليمان ينتقم لفشل سيناريو التجديد له بالتوافق، وسيتابع انتقامه في الأشهر الـ11 المتبقيّة له».
ينطلق الرئيس، بحسب قوى 8 آذار، من نظريّة خاصة به: «الرئيس بشّار الأسد سيخسر لا محالة، وهو انتهى دولياً، يظن سليمان بأن التقدم العسكري الكبير الذي يحققه الجيش السوري ما هو إلّا مرحلة وستنتهي». وتقول المصادر إن الرئيس «لن يقنع أحداً بضرورة مقايضة مواقفه على التمديد. لن يمدّد له لحظة واحدة، وإذا انتهت ولايته لن يحصل فراغ، خير انشالله، الرئيس اميل لحود انتهت ولايته ولم يحصل فراغ».
بالطبع، إن سمع سليمان ما يقوله حلفاء سوريا في لبنان، خصوصاً أولئك العائدين حديثاً من دمشق، سيصاب ربّما بالإحباط، «الرئيس عايش بغير دني». يقول هؤلاء إن الجيش السوري لن يتوقّف عن تحقيق التقدم العسكري على الأرض، «معنويات القيادة في دمشق أكثر من مرتفعة، تحت الصراخ الدولي السخيف الجيش يتقدم في حلب، وغداً سيتقدم في القلمون ودرعا».
أعلن الرئيس إذاً، انضمامه إلى «نادي المراهنين على سقوط الأسد». تقتنع قوى 8 آذار بأن «هذا هو موقفه منذ البداية، لكنّه حاول أن يستره». في الوقت الذي يجلس فيه الرئيس على الشرفة في قصر بعبدا، ينتظر سقوط الأسد، كما انتظر في السابق أن يرنّ هاتفه ليسمع صوت ساكن قصر المهاجرين، تغيّرت أمور كثيرة في الأزمة السورية، أمّا الرئيس، فقرّر أن يعلن انحيازه الكامل متأخراً. «يطعمك الحج والناس راجعة».