مذكرة نواب الرابع عشر من آذار تختزل المكونات السياسية اللبنانية في فرض توجهاتها الأحادية والمتعاطفة مع موقف الدول الخليجية من الأزمة الدموية في سوريا، وتتعمد إملاء مواقفها على الآخرين في لبنان، من دون أن تقيم أدنى إعتبار للقوى السياسية المناهضة لها ولو مثلت نصف الرأي العام اللبناني أو أكثر بقليل.

المطالب الواردة فيها تخطت دور المؤسسات الوطنية الرسمية وعملها وكتبت بلغة نافرة لا تراعي متطلبات "ميثاق العيش المشترك" موضع تآلف اللبنانيين للنهوض بلبنان وطناً لجميع أبنائه.

المذكرة تأخذ على "حزب الله" مشاركته في القتال في سوريا إلى جانب "قوى النظام" وضد "قوى المعارضات" فيها وتدعوه إلى سحب قواته منها فوراً وبالكامل وإعادتها إلى لبنان، متغافلة عن أنَّ الدستور اللبناني يكفل الحريات العامة وصارفة أنظارها عما يرتبه موقف كهذا من نظام قائم من تداعيات خطيرة على الوطن.

واضعوها صاغوها بلغة كيدية لاتراعي أحكام القانون الدولي ولا الأعراف في تعامل الدول ولم يهتموا إلا بمنطق اللامنطق في تحديد شروطهم وكأنه من شأنهم وليس من شأن الحكم في دمشق أن يرحب بوجود مقاتلين لـ"حزب الله" يدافعون عن النظام السوري إلى جانب القوى النظامية أو أن يطلب منهم الرحيل.

الوجه الآخر لعملة سياسية كهذه يكشف أنَّ المتعاملين بها يدينون بالولاء للأطراف العربية المناوئة لحكم الرئيس بشار الأسد والتي تموّل المعارضات السورية وتمدها بالأسلحة، بما فيها القوى التكفيرية التي تعمل على تمزيق النسيج الإجتماعي في "قلب العروبة النابض".

إنَّ قراءة سياسية على هذا النحو لمذكرة قوى الرابع عشر من آذار تكشف أنَّ من بين أهدافها المباشرة تعرية النظام السوري من القوى المؤيدة له أو المتحالفة معه وجعله هدفاً سهلاً أمام ما يسمى بـ"قوى الثورة " في "عاصمة الأمويين"، إذ فيما تطالب "حزب الله" بسحب قواته فوراً وبالكامل من سوريا تكون قد شكلت قوة سياسية ضاغطة في خدمة الأهداف المباشرة للمعارضات في سوريا وكشفت عن دورها الداعم لها بالتخلص من دعم "حزب الله" لحكم الأسد.

موقف كهذا أكثر خطورة على لبنان من الحضور الفاعل لـ"حزب الله" في ريف دمشق وسواه. إنه يتكامل مع دعم المعارضات السورية لوجستياً وبالمقاتلين من شمال لبنان ومن جرود عرسال في البقاع، علاوة على توفير الملجأ الآمن لـ"الجيش السوري الحر" على الأراضي اللبنانية، رغم المخاطر التي قد يتسبب بها لوطن سياسته تقوم على النأي بالنفس حيال الأزمة السورية المفتوحة على المزيد من إهراق دماء الأبرياء والتوسع في الدمار والخراب في "دولة الممانعة".

إنَّ تلويح فؤاد السنيورة بإشتعال الحرب الأهلية في لبنان إذا لم يسحب "حزب الله" مقاتليه فوراً وبالكامل من سوريا يحمله المسؤولية المباشرة عما قد يتعرض له اللبنانيون من مخاطر أو أحداث دامية، فضلاً عن أنه يحمل في مضمونه إستعداد قوى الرابع عشر من آذار لنقل "الكباش" الخليجي السوري إلى لبنان.

وفي الخلاصة الأخيرة يبقى السؤال: هل بسلوك كهذا يكتب للبنان النجاة؟