بعد التكليف السهل يواجه التأليف الصعب سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي أضافت إلى أزمة الاستعصاء في تأليف حكومات ما بعد السابع من أيار، أزمة من نوع آخر.

أيام على تسمية الرئيس تمّام سلام، وإذا بالرئيس السوري بشّار الأسد يجمع حلفاءه من اللبنانيين في عراضة انتصار، ليعلن أمامهم انتهاء صلاحية النأي بالنفس. أيام أخرى بعدها يظهر الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في طهران إلى جانب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الايرانية السيّد علي خامنئي، ويعود منها بقرار إعلان التدخّل العلني في القتال إلى جانب النظام السوري، بعدما كان القتال غير المُعلن سبق التدخّل المُعلن، ويدخل تأليف الحكومة في نفق لا نهاية له، زاد من سواده التمديد للمجلس النيابي وما فرضه من انتظار.

في دارة المصيطبة، انتظار من نوع آخر، له تكاليفه بالأيام والساعات، فسلام وفق ما ينقل القريبون عنه، لن ينتظر لوقت طويل، وهو يستمرّ في تقليب الخيارات الأربعة المحكوم بانتهاجها، ولن يتردّد في اتّخاذ الخيار المناسب إذا ما توافرت له عناصر النجاح.

حكومة سياسية، أو حيادية، أو اعتذار ليس طعمه مرّاً، إذا ما وجد الرئيس المكلّف أنّ الأبواب أقفِلت تماماً. لكن وحسب القريبين منه فإنّ الانتظار لن يدوم، لن ينتظر سلام شهراً أو شهرين بعد بتّ مسألة التمديد والانتهاء من مرحلة الطعن. الانتظار بات مكلفاً، وهو يستنزف مهمّة سلام، والأهمّ بالنسبة إليه أنّه يستنزف الآمال التي وضعها الرأي العام اللبناني، الذي يريد تأليف حكومة في أسرع وقت.

لا شهراً ولا شهرين، ولا تحبيذ للاعتذار، ولا تراجع عن المعايير التي وُضِعت منذ قبول مهمّة التكليف. الثلث المعطل مرفوض، فالرئيس المكلّف لا زال عند موقفه من اعتبار أنّه يمثل الضمان، لكلّ المكوّنات داخل الحكومة، وصولاً حتى الاستقالة إذا ما استقال أيّ ثلث فيها. هذا ما أبلغه إلى رئيس مجلس النواب نبيه برّي عندما زاره في عين التينة، وهذا ما يتمسّك به، فلا نصف وزير لهذا الطرف، ولا ربع وزير لذاك، بل حكومة مثالثة، أو حكومة حيادية، مع مراعاة التمثيل الصحيح.

في المصيطبة يتفاجأ القريبون، من العودة إلى نغمة زعزعة المعايير في تأليف الحكومة، ويتساءلون عن سبب الاعتراض المستجدّ على المداورة، التي هندسها سلام بطريقة تؤمّن التوازن بين الطوائف، كذلك تلبّي الحاجة إلى توزيع عادل بين القوى السياسية، في تبادل تولّي الوزارات السيادية والخدماتية والأقلّ أهمّية.

يعبّر القريبون من سلام عن الرضى الكبير على ما تمّ إنجازه بعد التكليف، فالرئيس المكلّف الذي رسم خريطة تأليف الحكومة، لم يدخل في حقول الألغام، حصّن موقع رئاسة الحكومة، أعاد الصلاحيات الحصرية في التأليف، إلى مرحلة ما قبل السابع من أيّار، وهذا في حدّ ذاته إنجاز كاد تأليف الحكومة المستقيلة أن يذهب به، بعد أن أُغرق الرئيس المكلّف بسيل من المطالب التي أفضت إلى ولادة التشكيلة الحكومية بنحو تجاوز رئيسها.

ترك قتال "حزب الله" داخل سوريا آثاراً سلبية على التكليف، ووضع الرئيس المكلّف في موقع صعب، لكنّ خياراته لن تكون مستحيلة. فتركُ الأمور تسير على ما هي، يعني أنّ البلد ذاهب الى المجهول، ولن ينفع أحداً أن يغسل يديه، خصوصاً إذا ما كان في موقع رئيس حكومة مكلّف، ينتظره الرأي العام لكي يؤلّف حكومة إنقاذ، سواء كانت حكومة سياسية أو حيادية.

وعليه، فإنّ تعطيل ولادة حكومة "الثلاثة أثلاث" السياسية، سيؤدّي بسلام إلى اختيار خيار آخر من الخيارات الأربعة المتبقية. عندها يعلو رصيد الحكومة الحيادية، ويلعب التنسيق العميق القائم بين سلام ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان دوره في هذا المجال، مع التأكيد أنّ توقيع رئيس الجمهورية على تشكيلة حكومية كهذه، ليس مضموناً بعد.

لا تفصل بين خيار حكومة "اللهمّ أشهد إنّي قد بلّغت"، والخيار شبه المقفل بتسهيل ولادة حكومة الثلاثة أثلاث، سوى أيام، لا شهر ولا شهرين، فلا انتظار، لأنّ شبح الحرب الأهلية لم يعد في حال انتظار.