عام 2005 انهارت عمارة ميشال المر. لم ينتبه كثيرون. بادر الرئيس ميشال سليمان إلى تشييد «عمارة» في جبيل، ومثله فعل سامي الجميّل وميشال فرعون والقوات اللبنانية. غفل هؤلاء عن أن من أسقط عمارة «أبو الياس» المتينة لن تعصى عليه عماراتهم الهشّة
لم يكن النائب ميشال المر، بين عامي 1990 و 2005، مجرد نائب عن المتن الشمالي. كان، وعمارته في الزلقا التي غدا اسمها الرسمي «الزلقا وعمارة شلهوب»، أكثر من نائب بكثير. شقَّ «أبو الياس» الأحزاب، أخرج من قبعته جمعيات عائلية وروابط ونوادي وفرقاً كشفية. اخترع من رؤساء المجالس البلدية وأعضائها والمخاتير ورؤساء مصالح المياه والصحة وحماية المستهلك في الأقضية، ومأموري النفوس ونواطير المياه في القرى، حزباً منظماً لا حدود لنفوذه. وفي موازاة ذلك كله، أحاط اسمه بهالة أثّرت في الناخبين الذين تحوّل خوف كثيرين منهم منه إلى حب، وفي السياسيين الذين اجتهدوا ليكونوا على صورة «أبو الياس» ومثاله، في استخدام أجهزة الدولة لتحقيق مصالحهم، وفي الضغط على الناخبين بمصادر رزقهم، وفي الترغيب والترهيب واستحداث الروابط وخدمات المخاتير واستقطاب رؤساء المجالس البلدية.
حاول كثيرون، مثل النائب السابق منصور البون في كسروان والنائب محمد كبارة في طرابلس والنائب السابق فوزي حبيش في عكار تشييد «عمارات» لهم قبل 2005 مماثلة لعمارة المر، لكنهم فشلوا. ولكن لم تكد القبضة الأمنية تتراخى، حتى خرجت، من العدم وخلافاً للمتوقع، عمارات عدة. وعلى صورة المر ومثاله، أيضاً، عمل النواب ميشال فرعون في الأشرفية، وفريد مكاري في الكورة، وستريدا جعجع في بشري، وبطرس حرب في تنورين، وهادي حبيش وخالد ضاهر في عكار، والرئيس ميشال سليمان في جبيل. أما في المتن، فما كادت أسس عمارة المر تتزعزع قليلاً، حتى موّلت السيدة جويس الجميّل ابنها الشيخ سامي لتشييد عمارته الخاصة، وهي مجسم صغير عن عمارة أبو الياس القديم، مع مطبخ أكبر و«عشّي» أشطر. النائب المهدد أمنياً، تمكّن، في السنوات القليلة الماضية، من التنقل بخفّة بين عمارته وحزب والده وصالات عرض المفروشات، لكنه لم يتمكن، بحكم التهديد الأمني، من الوصول إلى الطابق الثالث في بناية ستاركو حيث مكتب وزارة الأشغال العامة والنقل. وهو عقد أكثر من مؤتمر صحافي للحديث عن سلاح حزب الله، دون غيره من الأسلحة التي تراقصها أذرع اللبنانيين، لكن لم يتمكن من عقد مؤتمر إنمائي لدائرته الانتخابية.
كانت عمارة المر مختلفة عن عمارات اليوم، يقول أحد المطلعين. رغّب «أبو الياس» الناخبين عبر شبكة كبيرة من الخدمات، ورهّبهم عبر شبكة أكبر من العقوبات. كان يأخذ ويعطي. وعلى عكس أصحاب العمارات الجديدة، لم يقدم نفسه كسياسي نظيف ذي جذور عائلية وإرث حزبيّ ومكتبة أدبية. رغم ذلك كله، سقطت عمارة المر لأن الناخبين، يتابع المصدر المتني نفسه، كانوا في توق شديد إلى التحرّر من سياسة العصا والجزرة. وبعيداً عن العناوين السياسية المختلفة، وفي سياق التوق نفسه، أتقن العونيون هدم عمارات النائب السابق سمير عازار في جزين، وفريد هيكل الخازن في كسروان، وفارس سعيد في جبيل، وسايد عقل في البترون، وأخيراً هادي حبيش في القبيات. لكن يبدو أن هناك من لا يأخذ الدروس والعبر.
وفيما كانت الـ«بلدوزر» العونية تستكمل، الأسبوع الماضي، العمل السياسيّ الذكيّ الذي تحقق أخيراً بعمل إنمائي أذكى، تمثّل في مباشرة وزارة الأشغال العامة توسيع الطريق التي تربط أوتوستراد المتن السريع بقضاء زحلة عبر اثنتين وعشرين بلدة، كشف النائب سامي الجميّل عن وجهه المرّ. فبدل تلبيته دعوة الوزير غازي العريضي، رغم معرفة الأخير أن النواب العونيين هم وحدهم من لاحق تنفيذ هذا المشروع، عمد النائب الكتائبي إلى مساءلة العريضي عمّا يدفعه إلى تسهيل انطلاق المشروع، محققاً معه في صلاحياته وواجباته. ولم تلبث «عمارة» بكفيا أن كثّفت اتصالاتها برؤساء المجالس البلدية متمنية عليهم، بلطف بداية، مقاطعة الاحتفال، قبل أن يغدو التمنّي في الاتصال الثاني طلباً، وفي الثالث أمراً، وفي الرابع تهديداً بإقالة أي رئيس بلدية يحضر الاحتفال.
أصرّ العريضي على إقامة الاحتفال التدشيني في بلدة عينطورة التي يرأس مجلسها البلديّ كتائبيّ، ونجحت عمارتا الزلقا وبكفيا في منع رؤساء مجالس بلديات المروج وبولونيا وعيرون ومار موسى وبعبدات من المشاركة، رغم مرور الطريق الدولية في بلداتهم. وفي موازاة عمارة بكفيا، نشطت عمارة الزلقا، ليس في تحذير الفعاليات المتنية من المشاركة فحسب، بل في خنق الاحتفال إعلامياً.
رغم ذلك كلّه، قصّ العريضي ولفيف من نواب المتن وبعبدا العونيين شريط تدشين الأعمال في الطريق التي توطّد ارتباط زحلة بجبل لبنان، وتسهّل الوصول إلى قرى المتن العالية. فرغم العوائق التي تزرعها عمارات 14 آذار المتنوعة الأشكال والمتعددة المناطق هنا وهناك في طريق العونيين، يحقق هؤلاء في النهاية ما يعدون به. ولا يخرج خاسراً، مرة تلو أخرى، سوى النائب الذي لا يملك حجة واحدة يبرر فيها لناخبيه تغيّبه ورؤساء المجالس البلدية المحسوبة عليه عن احتفالات إنمائية كهذه. والأكيد هنا، أن ما ينطبق على الجميل والمر في المتن ينطبق على الرئيس سليمان في جبيل، وعلى القوات اللبنانية التي تحدّث مناطقها عن حجم انشغالها بالقضايا الكبرى عن التفاصيل الإنمائية التي تهم المواطنين، والتي يمكن أن تتيح لبشري، مثلاً، مزاحمة إهدن في استقطاب السياحة الداخلية، أو تسمح لزحلة باستقطاب المتصارعين بقاعاً الذين يقاطع بعضهم أسواق بعض، أو سيارات الدمشقيين الهاربين بصناديق تتكدس فيها الأموال إلى بيروت وما بعد بيروت.
عند البحث في قانون الانتخاب، تبين أن التيار الوطني الحر لاعب رئيسي، فيما القوات اللبنانية والكتائب ومن يصفون أنفسهم بـ«المسيحيين المستقلين» مجرّد مناورين ولاعبي احتياط في الفريق المستقبليّ. وعشية تكليف الرئيس تمام سلام، تبيّن أن التيار الوطني الحر شريك رئيسي في تسميته، فيما من سبق تعدادهم مجرد ملحقين يباركون من يسميه المستقبل. وفي تفاصيل تدخّل الأفرقاء اللبنانيين في الأزمة السورية، تبين أن التيار الوطني الحر قادر على التصالح مع نفسه وجمهوره بانتقاد الجميع، بمن فيهم حليفه الأساس حزب الله، فيما خصومه، يتقدمهم الجميّل، يرون القشّة في عين الحزب ويتغاضون عن الخشب في عيون حلفائهم. وإنمائياً، لم تر القوات اللبنانية والكتائب شيئاً بعد. ليست عاصفة «الأرثوذكسي» آخر الغيث. هناك أربع بلدوزرات قديمة في كل من جزين وبعبدا والمتن وجبيل، واثنتان جديدتان في كسروان، ستستفيد من التطورات التي تسير إقليمياً لمصلحتها، ومن نيات حلفائها بالتعويض انتخابياً وسياسياً عليها، لشق وتوسيع وتعبيد أكثر من طريق.